ثقافة

روايات أهل غزة عن الإبادة

تستمع سمر يزبك في كتابها ذاكرة النقصان “روايات أهل غزة عن الإبادة” الصادر عن دار الآداب بيروت 2025، إلى أصوات الضحايا الناجين من القتل والمذابح لتعيد إنتاج السردية، سردية الإبادة وردم فراغات الذاكرة وتصغي لأصوات حكاياتهم وقصصهم التي شهدت بعينها ما حدث وما زال يحدث بشكل متواتر ومتقطّع، إحدى أوجه الحقيقة المغيّبة والحكايات النازفة مع العلم أنه في لحظة الموت الصمت أبلغ من الكلام، وهي تحاول المشابهة بين الضحايا السوريّين والفلسطينيّين، شهادات بلسان الضحايا أنفسهم تخجل البلاغة من تزويق الكلام لوصف مأساتهم، يكفي أن يشرح كلّ منهم ما حصل معه حتى يندى جبين العالم بالخزي والعار لصمته وسلبيّته.

وما إحياء الألم الدامي إلا محاولة حثيثة وضئيلة للحيلولة دون تكرارها، إذ أغلب الضحايا أناس مدنيّون يسعون وراء لقمة عيشهم شاء حظهم العاثر أن يوجدوا في هذه البقعة من العالم، والناجون أغلبهم شهدوا مجازر كبيرة مثل مجزرة المستشفى الإندونيسي ومجزرة مستشفى الشفاء، وهم ضحايا مدنيون لم يكونوا سياسيين ولم يتطرّقوا لرأيهم بحماس أو المقاومة أو حتى مصير القضية الفلسطينية. أناس عاشوا الحرب منذ عقود واليوم يعيشون الإبادة، والعدو مسلّح بحربه المجنونة بأحدث ما قدّمته التكنولوجيا من اختراعات، إضافة إلى استفادته القصوى من الذكاء الاصطناعي فما هو غير بشريّ لا يتردّد قيد أنملة بل ينفّذ وفق ما هو مبرمج له، إذ تقرّر الخوارزميات من يجب أن يعيش ومن يجب أن يموت، وهي بالنسبة لمحرّكها كمن يحرّك لعبة للأطفال ولكنّ الضحايا من لحم ودم ودموع.

تستدعي الكاتبة ذاكرة الموتى الأحياء في مجمّع الثمامة في العاصمة القطرية الدوحة، وهم أشلاء أجساد وصلوا كي يتلقّوا العلاج اللازم وترميم ما يمكن من بقاياهم المعطوبة.

تروي شهادة “نسمة الفرا” التي طال القصف منزلها وأطفالها فمنهم من استشهد في اللحظة ذاتها ومنهم من نجا بحروق كان الموت أسهل منها، ومنهم من طال البتر أطرافه ومنهم لم يتمّ انتشاله من تحت الردم وانهيارات المباني فوقه.

أما شهادة زوجها سامر أبو يحيى فيقول بأنهم يعيشون الحصار منذ ربع قرن قبل حكم حماس بـ 2008 و2012، ومنذ أن سمع بالهجوم عرف أنّ أياماً سوداء مقبلة، وبعدها يحكي عن كارثة بيته والبرميل المتفجّر الذي أُسقط وأنهى أسرته بين قتل وتشويه وبتر أعضاء. أولاده سما ويحيى صاروا في العالم الآخر، وتسعة أشخاص من أبناء عمومته أيضاً عائلة بأكملها قضت من الأجداد إلى الأحفاد.

أما شهادة خالد أبو سمرة وهو طبيب مقيم في مشفى الشفاء فقد قال إنهم عرفوا من وقتها أنّ الانتقام سيكون كبيراً، فطوفان الموت طال سوقاً شعبية وقصفاً على مدرسة وسط غزة، كانت الجرحى والضحايا تأتي من كلّ حدب وصوب، الجحيم في كلّ مكان أيّ مخلوق حيّ هو من بنك الأهداف المرصودة، والمسعفون والأطباء من أوائل المصابين والقتلى.

في مشفى ناصر عدد كبير من الأطفال المحروقين بالفوسفور، جثث متفحّمة تصل إلى مشفى المعمداني ومشفى الشفاء وبعدها بعد القصف المدمّر حاصرت الدبابات المشفى وقصفت أقسامه حيث إخراج الجرحى والمرضى يعني قتلهم.

يليها قطع الاتصالات وحجب ما يحصل عن العالم، وبعد الحصار وصلنا إلى نفاد المواد والدواء ووسائل الإسعاف وبعدها إلى الجوع بسبب نفاد الأغذية والخيار الأصعب اختيار من يجب أن يموت أولاً.

في شهادة محمد فادي صالح يحكي عن مأساته فقد أصيب بشلل بساقه وتنقّل بين المشافي حيث لا توجد مواد إسعافية ولا تجهيزات طبية، كلّها مدمرة؛ لا كهرباء ولا ماء ولا مولّدات ولا أجهزة تصوير كلّها معطّلة، حتى أنه لم يحظَ بمكان فمُدّد على الأرض بين الأشلاء والجثث، وبينما هو على هذه الحال رمت “إسرائيل” مناشير تطالب بإخلاء المكان، ولم تنتظر باشرت بالقصف فوراً، قصفت قسم الولادة حيث الأطفال الخدّج والرضّع في الحواضن، وبعدها تمّ نقله من بيت إلى بيت لمدة خمسة عشر يوماً إلى أنّ جاء الصليب الأحمر وتمّ إجلاؤه مع بقيّة المصابين إلى مشفى ناصر بعد الهدنة المؤقتة الموقّعة مع حماس بتبادل الأسرى والسماح بدخول المعدّات الطبية، ليصاب أخيراً بجلطة بقدمه لأنّ المشفى اقتصرت قدرته على إعطائه مضاداً حيوياً فقط، ليعاد طلب العدو بإخلاء المشفى إلا للحالات المماثلة لحالته من دون مرافقين مما يعني الموت لمثله، وتعرّض جميع الجرحى للإهانة والإذلال والتهديد بالاغتصاب وهم على أسرّة الموت، وبعد كلّ ذلك الضرب والتعذيب بدأت حفلة التحقيق حيث جمع الجميع من جرحى ومقطّعي الأطراف والمشرفين على الموت في باحة المشفى وقاموا بإفلات الكلاب عليهم لتزيد في معاناتهم وهلاكهم، يصرّح في النهاية بأنه لا يريد العلاج يريد نهاية هذا الموت البطيء.

وفي شهادة ندى عيسى عيّاش من مخيم جباليا وهي معلمة في وكالة الغوث “الأونروا” ولا علاقة لها بحماس ولا بالسلطة الفلسطينية، وأيضاً تعبّر بأنّ ما مرّ عليها سابقاً كان قتلاً بالتدريج، أما اليوم فحرب إبادة شاملة. فرغم أنّ “إسرائيل” لديها آلات التصوير المتطوّرة والدرونات وكلّ أجهزة التعقّب، فهي تعرف تماماً أنهم ليسوا من حماس وليسوا مسلحين فقد قصفوا بيتها وبيت العائلة رغم أنهم ملاصقون لمدرسة تابعة لوكالة الغوث للاجئين “الأونروا” وقد اكتظت بالنازحين، وبقيت مدفونة تحت الأنقاض فترة طويلة وقضى نحو خمسة وعشرين شخصاً من أفراد عائلتها، وكانت هي وابنتها الناجيتين الوحيدتين اللتين تمّ انتشالهما من بين الركام بأعطاب كثيرة.

صحيح أنّ “إسرائيل” تلقي منشورات تحذيرية ولكنها تقصف فوراً بعدها قبل أن يتسنّى لأحد التصرّف بغية إظهار نفسها أنها تخشى على المدنيين حيال الرأي العامّ الأوروبي فقط، فهم مسجونون في غزة منذ عشرين سنة والآن يطردون الجميع باتجاه جنوب غزة حيث اكتظاظ البشر المهجّرين في أضيق مكان بلا غذاء ولا دواء.

يقول محمد حمدان من خان يونس كنّا سبع عائلات مع أطفالنا اضطررنا إلى المغادرة، ولكنّ القصف كان لهم بالمرصاد يرى نفسه محظوظاً إذ استطاع دفن أهله وأسرته لأنّ الجنود كان ينبشون القبور، ولا يعرف عمّا كانوا يفتشون “شبهة سرقة أعضاء”.

فمجزرة الجلاء راح فيها 200 شخص وبعدها مجزرة المعمداني، كانوا محاطين بالمجازر وتحت النار ما سمّي بالحزام الناري حيث القصف لا يتوقّف.

في شهادة أمل الأدهم من بيت لاهيا تحكي بأننا لا نكاد نتعرّف إلى أهلنا بسبب التشويه الذي أصابهم نتيجة جحيم النيران المصبوبة على أجسادنا، واستخدام الأسلحة الكيميائية المحظورة دولياً والتي تسبّب أمراضاً غير معروفة، أمي لم أعرفها، هو الرعب ما تراه بالمشافي ترى أجساداً بلا أذرع أو أجساداً بلا أرجل، عيوناً مفقأة وأوجهاً مشوّهة. هناك كابوس لا يمكن تصوّره من تعفّن الأجساد والجروح نتيجة الشحّ في المواد الإسعافية، جثث لم تجد من يدفنها وبقيت طعاماً للقطط والكلاب، أيّ هوان في هذا الجحيم الذي حاصرته الدبابات لتقضي على أيّ أمل بالنجاة أو الحياة.

تقول هدى سفيان سعيد البغدادي إنّ القتلى والجرحى غالبيتهم من الأطفال، وإنها مصابة وكلّ جسدها مخرّم بدوائر غريبة، وأيّ سلاح يجرّب بالبشر هنا، ولا تكفي الإصابات المباشرة فهناك السموم التي تليها، فالمتفجّرات عدا عن أثرها المدمّر هناك شحنة فيروسية سامّة تسمّم الأعضاء وتنشر أوبئة بيولوجية عمّا تفتّقت عنه فظاعات المحتل.

شهادة سين التي بقيت مدفونة بالركام عشرين ساعة بعد أن قضى زوجها وأولادها،ترفض التضحية بحياة الناس من أجل أيّ شيء وتنتقد الواقع الذكوري المسيطر حتى بالموت هناك تمييز ضدّ النساء.

يصف أحد الشباب وهو مصاب وملقى على الأرض مدمّر الأطراف كيف عمد الجنود الصهاينة إلى تبديل ثيابهم وتصوير أنفسهم على أنهم من حماس وجاءوا بالأكل للجرحى وقاموا بالتصوير وبعدها سحبوا الطعام ولم يسمحوا لأحد بلمسه.

هؤلاء الناجون من الإبادة كيف هي حياتهم بأنصاف أجساد، نبحث في فعل النقصان في اكتمال الإبادة عندما تعجز العدالة عن إنصاف المظلومين لتبقى ذاكرتهم وحكايتهم تروى ولانتشال إنسانيتهم من عملية التشيّؤ واعتبارهم أرقاماً لا بشراً كأضعف الإيمان.

كيف نكتب تاريخ من كتب عليهم المحو والنسيان كيف نرمّم الذاكرة الناقصة، وهل ثمّة كلام يقال بعد كلّ هذه الفجائع الكارثية، وهل سيتمّ إسكات الضحايا فداء للقضية المقدّسة، لا مقدّس سوى الإنسان وما حصل ويحصل وصمة عار في جبين العدالة الإنسانية.
دعد ديب – الميادين