خطوط مرنة: نظرة جديدة لإدارة الحروب الحديثة في الفكر العسكري
لطالما شغل السؤال حول مدى وجود نظرية عامة شاملة لإدارة الحرب بال المفكرين الاستراتيجيين، والعسكريين، ودارسي الصراعات؛ فقد شهدت الحروب تحولات جذرية عبر التاريخ، متأثرة بالتطور التكنولوجي والابتكارات المتسارعة في نظم التسليح والذكاء الاصطناعي، ولكن هل ثمة شيء ثابت يمكن تحديده بشأن الحروب، بحيث يمكن تدريسه في الكليات العسكرية، وتطبيقه عملياً؟
في هذا السياق، يقدم آزار جات في كتابه “النظرية العسكرية وإدارة الحرب” نظرة جديدة على العلاقة بين السياسة والحرب، متناولاً مجموعة من الأسئلة المهمة التي تُشكل جوهر النظرية العسكرية، بما في ذلك هل هناك تعريفات ثابتة للحرب والاستراتيجية والتكتيكات، وما هي العلاقة الصحيحة بين الوسائل العسكرية والغايات السياسية، وما يُعتبر نصراً، وكيف يمكن التمييز بين الهجوم والدفاع. كما يتناول كيفية تطبيق العقيدة العسكرية لنظريات الحرب على أرض الواقع.
يجد جات إجابات متنوعة لهذه الأسئلة؛ لكن أطروحته الأساسية هي أنه لا توجد إجابات دائمة، خاصة مع تلاشي الحدود بين الحرب والسلام، وظهور أساليب قتالية جديدة. ويحلل الكتاب أيضاً الابتكارات العسكرية المتعاقبة في العصر الحديث، بما في ذلك ظهور الأسلحة النووية، والثورات السيبرانية والروبوتية الجارية في عصرنا الحالي. كما يشرح أسباب تزايد أهمية حرب العصابات والإرهاب، وإلى أين تتجه في المستقبل.
الحرب بين الفلسفة والتطبيق
في البداية يبدأ المؤلف بطرح سؤال عميق يضع القارئ أمام جوهر الإشكالية التي سيعالجها:
ما العلاقة الحقيقية بين النظرية العسكرية وبين الطريقة التي تُخاض بها الحروب فعلياً؟ فهل تُصاغ الحروب في ضوء أفكار مسبقة يضعها المنظّرون؟ أم أن الواقع الميداني هو الذي يفرض منطقه الخاص، ثم تأتي النظريات لاحقاً لتبرير ما حدث؟
انقسمت الدراسات العسكرية تاريخياً إلى اتجاهين متعارضين. فريق يرى أن الفكر العسكري كان له تأثير حاسم في تشكيل سلوك الجيوش الأوروبية الحديثة. وفريق آخر يقلل من شأن هذا التأثير، معتبراً أن التكنولوجيا، والتنظيم الاجتماعي، والتحولات السياسية الكبرى هي التي تحدد طبيعة الحرب، بينما تبقى النظرية مجرد انعكاس لاحق للواقع. ولا ينحاز الكاتب لأي من الموقفين؛ بل يوضح أن هدفه هو اختبار العلاقة بين الفكر والممارسة، لا افتراضها. فالحرب، في نظره، ليست مجرد تطبيق ميكانيكي لمبادئ نظرية؛ لكنها كذلك ليست ظاهرة عشوائية بلا إطار فكري؛ إنها مساحة يتفاعل فيها العقل مع القوة، والتخطيط مع الفوضى.
ثم يبرر الكاتب اختياره التركيز على أوروبا في القرنين التاسع عشر والعشرين بأن هذه المرحلة شهدت تحولات عميقة غيّرت طبيعة الحروب جذرياً، كان أبرزها: صعود الدولة القومية، الثورة الصناعية، توسع أنظمة التجنيد الجماعي، وبروز البيروقراطية العسكرية الحديثة. فلم تعد الحرب مواجهة محدودة بين جيوش صغيرة محترفة؛ بل تحولت تدريجياً إلى صراع شامل تعبّئ فيه الدولة موارد المجتمع بأسره. ولكن هل كانت النظريات الكلاسيكية قادرة على استيعاب هذا التحول الهائل؟
من فهم الحرب إلى إدارة المعركة
يطرح الكتاب سؤالاً قد يبدو نظرياً؛ لكنه في الحقيقة يمسّ جوهر العمل العسكري، وهو: إذا تمت معرفة طبيعة الحرب، فماذا يمكن أن نستنتج منها لإدارة العمليات العسكرية؟ للإجابة عن هذا السؤال، يحلل الكتاب مجموعة من الجوانب الأساسية التي تُظهر العلاقة بين النظرية العسكرية والتطبيق العملي.
أولاً، يتناول الأهداف السياسية والوسائل العسكرية من منظور كلاوزفيتز القائل إن الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى، فالعمليات العسكرية ليست غاية في ذاتها؛ بل وسيلة لتحقيق هدف سياسي محدد؛ مما يطرح مسألة التناسب؛ بمعنى هل ينبغي أن تتناسب الوسائل العسكرية مع الهدف السياسي؟ وهل استخدام القوة المفرطة قد يضر بالهدف نفسه؟ التاريخ مليء بالأمثلة على الكوارث الناتجة عن فصل العمليات العسكرية عن الهدف السياسي، حيث تصبح الحرب فعلاً ذاتياً يتغذى على نفسه بدل أن يظل أداة تخدم الدولة.
ثانياً، مفهوم النصر في الحرب، ليس مجرد تدمير جيش العدو أو احتلال أراضيه؛ بل يرتبط بالهدف السياسي الذي بدأت الحرب من أجله. الحروب المحدودة قد تنتهي بتحقيق تنازل معين دون انهيار الخصم بالكامل، بينما الحروب الشاملة تقاس بتحطيم القدرة الكاملة للعدو. لذلك، تُقاس العمليات العسكرية ليس بمدى نجاحها التكتيكي فقط؛ بل بمدى خدمتها للنتيجة السياسية المنشودة.
ثالثاً، الحرب عداوة وعنف منظّم، حيث يمثل صراع الإرادات واستخدام القوة أداة لتحقيق الغاية. هذا الطابع العدائي يولّد منطقاً تصاعدياً، لكن هذا التصعيد ليس حتمياً؛ فالإرادة السياسية والحسابات العقلانية قد تحد من الوصول إلى “الحرب المطلقة”. وعلى المستوى الميداني، يتحرك القائد بين حدين: الحاجة لاستخدام القوة لتحقيق التفوق، والحاجة لضبطها بما يتوافق مع الهدف السياسي والظروف الواقعية.
رابعاً، الهجوم والدفاع أيهما أقوى، وفي هذا يرى كلاوزفيتز أن الدفاع أقوى جوهرياً لأنه يستفيد من الأرض والتحصين والزمن، بينما الهجوم وحده قادر على الحسم؛ لكن جات يوضح أن هذا الجدال ليس مطلقاً، فالتاريخ أظهر أن التفوق التكنولوجي أو اللوجستي قد يقلب المعادلة لصالح الدفاع في بعض الأحيان، مثل الحرب العالمية الأولى، ويعيد الاعتبار للهجوم في أحيان أخرى. بالتالي، القرار بين الهجوم والدفاع يعتمد على السياق، الهدف، والموارد.
خامساً، طبيعة الحرب وما هو ثابت ومتغير، يميّز الكاتب بين عناصر ثابتة، مثل الصراع بين إرادات سياسية، استخدام العنف، وعنصر اللايقين والاحتكاك، وبين عناصر متغيرة تاريخياً، مثل حجم الجيوش، التكنولوجيا، البنية الاجتماعية والسياسية، وطبيعة التعبئة الاقتصادية. من هذا التمييز يستنتج أن النظرية العسكرية يجب أن تدرك الثابت دون إغفال المتغير، لتجنب تحويل تجربة تاريخية محددة إلى قاعدة أبدية.
ومن ثمَّ فإن فهم طبيعة الحرب يساعد القائد على التفكير الاستراتيجي؛ لكنه لا يغنيه عن التقدير العملي، فالحرب ليست علماً رياضياً ولا فوضى مطلقة. إنها مجال يتحرك بين السياسة والعنف، بين الثابت والمتغير، وبين المبادئ العامة والظروف الخاصة. وبالتالي، النظرية العسكرية ضرورية لفهم الحرب؛ لكنها وحدها لا تكفي لإدارتها بفعالية.
التاريخ والعقيدة العسكرية
يتوسع الكتاب في تحليل كيفية تحويل الخبرة التاريخية إلى عقيدة عسكرية عملية تنظّم أداء الجيوش. وينتقل الكاتب من السؤال النظري: كيف نفهم الحرب؟ إلى السؤال المؤسسي: كيف تتعلم الجيوش من الماضي وتحوّل هذا التعلم إلى نظام دائم يوجّه قراراتها؟ وللإجابة عن هذا التساؤل يناقش الكتاب عدة نقاط أساسية:
أولاً، مستويات إدارة الحرب، يشدد الكتاب على أن أي عقيدة يجب أن تعمل ضمن هيكل هرمي واضح وهو: المستوى السياسي لتحديد الهدف العام للحرب، والمستوى الاستراتيجي العسكري لتصميم الإطار العام لتحقيق هذا الهدف، والمستوى العملياتي لإدارة الحملات وتحريك القوات، والمستوى التكتيكي لإدارة المعارك المباشرة، ويُعد الانسجام بين هذه المستويات أمراً أساسياً، فالنصر التكتيكي وحده لا يكفي إذا لم يخدم الهدف السياسي الأعلى، وهنا تظهر أهمية العقيدة كجسر يربط التفكير السياسي بالفعل العسكري.
ثانياً، مفهوم العقيدة والثورات العسكرية، العقيدة ليست مجرد أفكار عامة؛ بل منظومة متكاملة تشمل التدريب، تنظيم القوات، أسلوب القتال، وفهم القادة لطبيعة الحرب. وقد نشأت العقائد الكبرى غالباً بعد “ثورات عسكرية” مثل الحروب النابليونية والحرب الصناعية، وصولاً إلى السلاح النووي الذي غيّر مفهوم المواجهة المباشرة إلى الردع.
ثالثاً، حرب العصابات كنموذج صاعد في القرن العشرين، خاصة في حروب التحرر الوطني؛ حيث تمكنت قوى أضعف عسكرياً من مواجهة الجيوش النظامية عبر استنزاف طويل ودعم شعبي ومرونة تنظيمية، مع التركيز على استهداف إرادة الخصم السياسية.
رابعاً، الإرهاب باعتباره أحد أشكال الصراع غير النظامي، وهو ليس ظاهرة جديدة، لكن تغيّر سياقها بسبب سرعة الانتشار الإعلامي والطابع العابر للحدود وتأثيره النفسي الكبير. ويهدف الإرهاب لتغيير الحسابات السياسية أكثر من الحسم العسكري التقليدي؛ لكنه يبقى محدود الفعالية من دون بيئة سياسية داعمة.
خامساً، يشدد الكتاب على عدم وجود سلاح أمثل مطلق، فكل سلاح كان حاسماً في مرحلة تاريخية قد يصبح عديم الفعالية في مرحلة أخرى. فالمدفعية، الدبابات، الطائرات، السلاح النووي، والطائرات المسيّرة، كلها بدت في لحظة معينة وكأنها تمنح ميزة حاسمة، إلا أن فعاليتها دائماً مشروطة بالسياق السياسي والتكنولوجي والعقائدي. السلاح الأمثل هو الذي يخدم الهدف السياسي بأعلى كفاءة ضمن الظروف المحددة.
إذن العقيدة العسكرية هي نتاج قراءة التاريخ، وتنظم الفعل العسكري عبر مستويات مختلفة؛ لكنها لا تقدم وصفات أبدية. فالتاريخ والثورات العسكرية وحرب العصابات والإرهاب جميعها توضح أن النجاح العسكري مرهون بقدرة الدولة على التوفيق بين الهدف السياسي، العقيدة المناسبة، والسلاح الملائم في سياق تاريخي متغير باستمرار.
الحرب بين الحتمية والتاريخ
ينتقل الكتاب من تحليل آليات الحرب وأدواتها إلى سؤال أعمق وأكثر إلحاحاً: هل الحرب قدر دائم للبشرية، أم أنها ظاهرة تاريخية قابلة للتراجع؟ هل هي انعكاس للطبيعة البشرية، أم نتاج ظروف اجتماعية وسياسية محددة؟
يرى بعض المفكرين منذ الفلاسفة الكلاسيكيين وحتى الواقعيين السياسيين أن الإنسان ميال للصراع بسبب تنافسه على الموارد والسلطة والمكانة، وأن الحرب تعبير جماعي عن دوافع فردية كالخوف والطموح والرغبة في الهيمنة، إلا أن هذا التفسير البيولوجي أو النفسي لا يكفي وحده، فالحرب ليست ثابتة في شكلها أو نمطها؛ بل تتغير وفق التنظيم السياسي والتكنولوجيا والأفكار حول الشرعية والعنف. هنا يميّز الكاتب بين الاستعداد للصراع – وهو جزء من الطبيعة الإنسانية– وبين الحرب كإطار منظم يُخاض باسم الدولة أو الجماعات، وهي ظاهرة مركّبة تعتمد على بنى سياسية تسمح بتعبئة الموارد وتبرير العنف.
كما يتناول الكتاب سؤال التراجع المحتمل للحرب. فبعد الحرب العالمية الثانية، لوحظ تراجع الحروب النظامية الكبرى بين القوى العظمى بسبب عوامل مثل الردع النووي، الاعتماد الاقتصادي المتبادل، تطور القانون الدولي، وانتشار القيم الديمقراطية. لكن هذا التراجع ليس عالمياً، فالحرب لم تختفِ؛ بل تحوّلت إلى نزاعات أهلية، حروب بالوكالة، صراعات منخفضة الحدة، إرهاب عابر للحدود، وحروب هجينة. كما أن التراجع يختلف جغرافياً بين مناطق مستقرة وأخرى ما زالت مسرحاً لصراعات مزمنة.
إذن الحرب ليست قدراً حتمياً بيولوجياً؛ لكنها أيضاً ليست قابلة للإلغاء الكامل. فهي احتمال دائم في نظام دولي يعتمد على السيادة وتضارب المصالح. فالحرب قد تتراجع في شكلها التقليدي؛ لكنها تعيد تشكيل نفسها بطرق جديدة. السؤال إذن ليس عن اختفائها؛ بل عن كيفية تغيرها، وأين وبأي أدوات. فالعالم اليوم أقل ميلاً للحروب الشاملة؛ لكنه ليس خالياً من الصراعات؛ ما يجعل فهم ديناميكيات الحرب المستمرة أمراً ضرورياً لأي تحليل عسكري حديث.
هند سمير – المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة
