أمن وسلاح

إدارة الصراع من الظل: الدور الاستخباراتي في إعادة صياغة التحولات البنيوية وديناميكيات المواجهة (الولايات المتحدة، إسرائيل، وإيران نموذجًا)

لقد شهدت طبيعة النزاعات الدولية تحولاً جذرياً وعميقاً في العقود الأخيرة، حيث لم تعد القوة العسكرية التقليدية بقدراتها الصلبة هي الفاعل الوحيد أو المحدد الحاسم الذي يرسم موازين القوى العالمية أو يحسم الصراعات الجيوسياسية. بل برزت في الأفق أدوات جديدة بالغة التعقيد، تدمج ببراعة فائقة بين الجهد الاستخباراتي الميداني، والتطور التكنولوجي المتسارع، وفنون الحرب النفسية الموجهة. وقد أفضى هذا التحول البنيوي في العقيدة العسكرية الدولية إلى ظهور ما يُعرف بـ “الحروب الهجينة” (Hybrid Warfare)، وهي استراتيجيات عابرة للحدود تدمج الوسائل العسكرية وغير العسكرية في بوتقة واحدة لتحقيق أهداف استراتيجية بعيدة المدى دون إعلان رسمي للحرب.

وفي هذا السياق المأزوم، يُعد الصراع الثلاثي بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، نموذجاً متقدماً ومعيارياً لهذا النمط المعاصر من الحروب؛ حيث يتم إدارة المواجهة عبر شبكة معقدة من العمليات السرية، والضغوط الاقتصادية الممنهجة، والهجمات السيبرانية النوعية، بعيداً عن الانزلاق إلى مواجهة عسكرية شاملة ومباشرة قد تخرج عن السيطرة. ويعكس هذا النمط الاستراتيجي إدراكاً متزايداً لدى القوى الفاعلة بأن الحسم العسكري المباشر قد بات باهظ التكلفة سياسياً واقتصادياً، وغير مضمون النتائج في بيئة دولية شديدة التشابك، في حين تتيح أدوات ‘الحرب من الظل’ تحقيق نتائج تراكمية، مستدامة، وأقل كلفة بمراحل، من خلال استنزاف قدرات الخصم وتفكيك إرادته من الداخل دون الحاجة لتحريك الجيوش التقليدية

أولاً: الاشتباك الرقمي: العقيدة السيبرانية كأداة للردع غير المتماثل
يشير مفهوم الحرب السيبرانية والتخريب الرقمي ذي الطابع الاستخباراتي إلى تحول جوهري في العقيدة الأمنية، حيث لم يعد يُنظر للفضاء الإلكتروني كمجرد أداة تقنية مساندة، بل كمنصة استراتيجية متكاملة لشن عمليات استخباراتية عابرة للحدود، تدمج بين التجسس السري والتعطيل المنهجي للبنى التحتية الحيوية. وفي خضم التوترات المزمنة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، استُحدثت أنماط من الحرب الهجينة تعتمد كلياً على الأدوات الرقمية لاختراق السيادة المعلوماتية للخصم، وشل منظوماته الدفاعية، أو إلحاق أضرار مادية جسيمة بظهيره الصناعي.

وتتميز هذه العمليات بـ “الخفاء الاستراتيجي”، مما يمنح المهاجم قدرة فائقة على التنفيذ عن بُعد مع الاستفادة من معضلة “صعوبة الإسناد” (Attribution Challenge)؛ حيث يستحيل إثبات المسؤولية القانونية أو السياسية بشكل قاطع وفق قواعد القانون الدولي التقليدية. هذا الغموض يمنح الدول مساحة أوسع للمناورة، ويجعل الحرب السيبرانية الخيار المفضل لإضعاف الخصم دون تجاوز عتبة الحرب (Threshold of War) التي تستدعي رداً عسكرياً مفتوحاً.

وبناءً عليه، استهدفت هذه الهجمات الممنهجة الشبكات السيادية، وأنظمة القيادة والسيطرة، ومرافق الطاقة والاتصالات، والقطاعات المالية، ليس فقط لتعطيلها، بل لتقويض القدرة على إدارة الدولة وزعزعة الاستقرار السياسي الداخلي. إن تكرار هذه النماذج يعكس اتجاهاً دولياً خطيراً نحو “تطبيع” الصراع الرقمي كأداة دائمة وأصيلة، مما يضع العالم أمام بيئة استراتيجية معقدة تتآكل فيها الفوارق بين حالة السلم وحالة الاشتباك الدائم.

ثانيًا: العنصر البشري في حروب الجيل الخامس: آليات الاختراق وحروب الوكالة الداخلية
تظل الاستخبارات البشرية (HUMINT) عنصراً سيادياً لا يمكن الاستغناء عنه، حتى في ذروة الثورة الرقمية، نظراً لقدرتها الفريدة على توفير معلومات نوعية ودوافع سلوكية لا يمكن استقاؤها عبر الوسائل التقنية وحدها. وقد ارتكزت الاستراتيجية الأمريكية–الإسرائيلية على بناء شبكات بشرية معقدة داخل الجغرافيا الإيرانية، تعمل على رصد المنشآت الحيوية، وتتبع حركة القيادات العليا، وتحديد نقاط الضعف البنيوية داخل النظام. وقد شملت هذه العمليات تقديم دعم لوجستي لعناصر محلية، وتجنيد أفراد من قلب المؤسسات السيادية، بل والمساهمة الميدانية في تنفيذ عمليات تخريبية من الداخل.

وفي المقابل، طورت إيران أجهزة استخباراتية مضادة قادرة على تفكيك بعض هذه الشبكات وتنفيذ عمليات استخباراتية مضادة، مما يجسد طبيعة الصراع كعملية مستمرة من “الفعل ورد الفعل”. ويبرز هنا أن التفوق لا يتوقف على قدرة الاختراق فحسب، بل على كفاءة حماية الجبهة الداخلية من الاختراقات المعادية. وتُعد القدرة على التغلغل العميق داخل البنية الأمنية الإيرانية إحدى أبرز سمات المقاربة الإسرائيلية–الأمريكية، حيث استثمرت التعددية العرقية (من عرب، وأذربيجانيين، وبلوش، وأكراد) كمدخل عملي لبناء شبكات نفوذ.

وقد شهدت آليات التجنيد تحولاً جوهرياً؛ فبعد أن كان الاعتماد على العناصر الخارجية، اتجهت الاستراتيجية الحديثة نحو توسيع قاعدة العملاء لتشمل إيرانيين ومواطنين من دول الجوار ضمن مسارين: أحدهما تقليدي لجمع المعلومات، والآخر عملياتي ينخرط في الاغتيالات والتخريب المباشر. في المقابل، كشفت الجبهة الداخلية الإسرائيلية عن جوانب من الهشاشة رغم تفوقها الهجومي، حيث تمكنت إيران عبر نشاطها الاستخباراتي من تحديد مواقع استراتيجية حساسة، شملت قواعد عسكرية ومقار استخباراتية، وظفتها لاحقاً في تنفيذ ضربات انتقامية دقيقة. وتؤكد تقارير حديثة (مثل تقرير “دروب سايت نيوز”) أن المخابرات الإيرانية أدارت عمليات موازية استعانت فيها بأفراد داخل إسرائيل لنشر رسائل سياسية وتجنيد مواطنين، حيث أُعلن عن اعتقال نحو 30 شخصاً بتهم التجسس لصالح طهران في العامين الماضيين.

ثالثًا: المواجهة النووية: جدلية التخريب التقني وإطالة زمن الاختراق الاستراتيجي
يمثل البرنامج النووي الإيراني المحور الوجودي والركيزة الأساسية لهذا الصراع، حيث يرتبط ارتباطاً عضوياً بمحاولات طهران فرض معادلة جديدة لتوازن الردع مع القوى الإقليمية والدولية. وفي هذا المضمار، تخوض الأطراف صراعاً محموماً حول ما يُعرف بـ ‘زمن الاختراق’ النووي؛ وهو المدى الزمني اللازم لإنتاج كمية كافية من اليورانيوم عالي التخصيب لصناعة رأس حربي واحد. فبينما تسعى طهران جاهدة لتقليص هذه الفجوة الزمنية لفرض سياسة الأمر الواقع، تعمل واشنطن وتل أبيب عبر استراتيجيات مركبة على إطالة هذا الأمد لمنع الوصول إلى العتبة النووية.

وقد تجسدت ذروة هذا التنافس في توظيف أدوات غير تقليدية، أبرزها عملية ‘الألعاب الأولمبية’ التي شهدت إطلاق فيروس ‘ستوكسنت” (Stuxnet عام 2010). هذا السلاح الرقمي المبتكر نجح في التسلل إلى أنظمة التحكم الصناعية (SCADA) المعزولة تماماً عن الشبكة العالمية في منشأة نطنز الحصينة، حيث تلاعب بترددات المحركات وبسرعات دوران أجهزة الطرد المركزي التابعة لشركة ‘سيمنز’، مما أدى إلى تدميرها فيزيائياً عبر إجهاد ميكانيكي حاد، بالتزامن مع تزييف البيانات المعروضة للمشغلين الإيرانيين للإيحاء باستقرار العمليات.

لقد مثّل “ستوكسنت” ثورة في التاريخ العسكري، كونه أول سلاح سيبراني يحقق تأثيرات مادية حركية (Kinetic Effects) تضاهي القصف الجوي، بتدميره ما يناهز 1000 جهاز طرد مركزي، مما فرض على المجتمع الأكاديمي والتقني إعادة النظر في حصانة البنى التحتية المعزولة (Air-gapped). ومنذ ذلك المنعطف، تحول الصراع إلى مواجهة ثنائية المسار؛ حيث بادرت إسرائيل وأمريكا باستهداف الموانئ ومنشآت التكرير ومصانع الصلب، بينما طورت إيران وحدات سيبرانية هجومية لشن ضربات انتقامية تهدف لمسح البيانات واختراق المرافق الحيوية في الغرب.

ولم يقتصر الصراع على الفضاء الرقمي، بل امتد لعمليات ميدانية استخباراتية كبرى، كان أبرزها مداهمة ‘الأرشيف النووي’ عام 2018، حين تمكن عملاء الموساد من الاستيلاء على نصف طن من الوثائق السرية والملفات الرقمية من قلب العاصمة طهران، مما كشف للعالم تفاصيل دقيقة عن ‘مشروع آماد’ وأبحاث طهران السرية لتطوير رؤوس نووية، وهو ما أعاد صياغة الموقف التفاوضي الدولي تجاه الملف النووي برمته.”

رابعًا: قطع رأس الأفعى: سيكولوجية استهداف القيادات وإعادة صياغة مراكز القرار
في أدبيات الدراسات الاستراتيجية والأمنية المعاصرة، يشير البعد الاستخباراتي لاستهداف القيادات العليا إلى عملية توظيف منهجية للمعلومات—بدءاً من مراحل الجمع والتحليل وصولاً إلى التطبيق الميداني—بهدف رصد مواقع القيادات الوازنة ومراقبة تحركاتها تمهيداً لتحييدها. وتتجلى خصوصية هذه العمليات في كونها ليست مهام عسكرية صرفة، بل هي عمليات ترتكز بنيوياً على تفوق منظومات الاستخبارات، وقوة شبكات العملاء الميدانيين، والقدرات التكنولوجية فائقة الدقة.

ويعتمد نجاح هذا النمط من العمليات الجراحية على ثلاث مراحل تكاملية: أولاً، الجمع الشامل للمعلومات حول الموقع الجغرافي والأنماط السلوكية والروتينية للهدف؛ ثانياً، التحليل الاستراتيجي لهذه البيانات لتحديد ثغرات الحماية والتنبؤ بالتداعيات السياسية؛ وثالثاً، الدعم العملياتي اللحظي الذي يوفر للقوات المنفذة تدفقاً بيانياً مستمراً حتى لحظة التنفيذ.وتهدف هذه العمليات بالأساس إلى شل منظومة القيادة والسيطرة وإحداث حالة من الارتباك الاستراتيجي في صفوف الخصم، رغم ما تنطوي عليه من مخاطر تتعلق بالتصعيد غير المحسوب أو احتمالية صعود قيادات أكثر راديكالية.

وفي هذا الإطار، يُعد البعد الاستخباراتي المرتبط بعملية استهداف المرشد الأعلى الإيراني في 28 فبراير 2026 نموذجاً بالغ التعقيد لاستهداف “الأهداف عالية القيمة” (HVT). فقد لعب الجهد الاستخباراتي دوراً مفصلياً عبر عمليتي “الغضب الملحمي” و”الأسد الهادر”، بالاستناد إلى مفهوم ‘الحدث المُحفّز’—وهو توفر معلومة استخباراتية حساسة زمنياً تعمل كصاعق لإطلاق خطة عسكرية معدة سلفاً. وقد تم التنفيذ بناءً على تأكيدات استخباراتية فورية بوجود الهدف داخل مجمعه المحصن في طهران، بفضل تنسيق استخباري رفيع المستوى بين وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية والموساد الإسرائيلي.

وقد شمل هذا التنسيق “التحقق الفوري” (Real-time Validation) عبر دمج اختراق الاتصالات المشفرة مع تقارير المصادر الميدانية البشرية. في المقابل، يكشف نجاح هذه العملية عن تصدع بنيوي في الاستخبارات المضادة الإيرانية، مما يؤشر على اختراق عميق للدائرة المقربة وفشل ذريع في تأمين قنوات الاتصال السيادية، وهو ما جعل القيادة العليا عرضة لاستهداف استراتيجي بهذا المستوى من الدقة والجرأة.

خامسًا: الثورة الخوارزمية: التحول نحو الحرب القائمة على البيانات والنمذجة التنبؤية
أضحى الذكاء الاصطناعي الركيزة الأساسية والمحرك الجوهري في تطور أنماط إدارة الصراعات المعاصرة، حيث تجاوز دوره التقليدي المنحصر في الدعم التقني ليتحول إلى عنصر فاعل ومستقل في عملية اتخاذ القرار الاستراتيجي. وتكمن قوته الضاربة في القدرة الفائقة على معالجة وتحليل كميات مهولة من البيانات الضخمة (Big Data) المتدفقة من مصادر متعددة في وقت قياسي يتخطى بمراحل حدود القدرة الاستيعابية البشرية.

وتعتمد الوكالات الاستخباراتية الأمريكية، بالتوازي مع الوحدات التقنية والنخبوية في الجيش الإسرائيلي، على هذه الأنظمة المتقدمة لتحليل بيانات الأقمار الصناعية واعتراض الإشارات اللاسلكية في إطار ما يُعرف بـ “دمج البيانات الاستخباراتية الهجين”. ومن أبرز التطبيقات العملية في هذا المضمار هو بناء وتحديث “بنك الأهداف” ((Target Bank بصورة ديناميكية، حيث تُوظف خوارزميات التعلم الآلي (Machine Learning) لتحديد الأنماط السلوكية المعقدة وتصنيف التهديدات وفقاً لدرجات الخطورة.

وقد أظهرت التجارب الميدانية الأخيرة كفاءة أنظمة الذكاء الاصطناعي في ربط تحركات الأفراد ببيانات زمنية ومكانية متقاطعة، مما يسمح بتحديد المواقع واستهدافها في ‘الزمن الحقيقي’ بدقة متناهية. كما يساهم الذكاء الاصطناعي في رفع كفاءة الطائرات المسيّرة عبر التحليل الآلي للصور الحية وتقييم البيئة المحيطة لحظياً، مما يقلص هامش الخطأ البشري إلى حدوده الدنيا.

وفي بُعد تنبؤي استشرافي، تُستخدم هذه التقنيات لتحليل الأنماط التاريخية لقرارات الخصم وتقديم سيناريوهات احتمالية تدعم صانع القرار فيما يُعرف بـ “الحرب القائمة على البيانات” (Data-Driven Warfare). أما على الصعيد السيبراني، فقد بات الذكاء الاصطناعي أداة مزدوجة الاستخدام؛ إذ يُوظف لتطوير برمجيات خبيثة ذاتية التكيف قادرة على اختراق الدفاعات الحصينة، وفي المقابل يُستخدم لتعزيز الأمن السيبراني عبر الاكتشاف الاستباقي للتهديدات من خلال تحليل السلوكيات غير النمطية داخل الشبكات السيادية.”

سادسًا: الحرب الخاطفة الخوارزمية: تكتيكات تحييد الأصول الاستراتيجية في بيئة معقدة
يمثل البعد الاستخباراتي في تحييد القدرات الاستراتيجية الإيرانية خلال أحداث عام 2026 نقلة نوعية في تاريخ العقائد العسكرية؛ فبينما كانت الضربات الجوية المكثفة هي الأداة التنفيذية الظاهرة، إلا أن الجوهر الحقيقي ارتكز على جهد استخباراتي تراكمي طويل الأمد، استهدف بناء تصور بنيوي شامل للشبكات الصناعية والعسكرية وتفكيك منظومات القيادة عبر استراتيجية ‘حفظ وتجميد الأهداف’. وقد غدا تنفيذ الضربات الجراحية الواسعة في 28 فبراير—التي طالت أكثر من 1000 هدف حيوي خلال 24 ساعة فقط—أمراً ممكناً بفضل ما يُعرف بـ “الحرب الخوارزمية”؛ حيث قامت الأنظمة الذكية بمعالجة ودمج بيانات الإشارات (SIGINT) وبيانات القياس والتوقيع (MASINT) وصور الأقمار الصناعية عالية الدقة بسرعة استجابة تفوق القدرات البشرية بمراحل.

وتطلب بناء “بنك الأهداف” الاستراتيجي عملاً استخباراتياً مشتركاً استمر لشهور، ركز على رسم خرائط دقيقة لسلاسل الدعم اللوجستي التابعة للحرس الثوري، بدءاً من مجمعات تصنيع الصواريخ الباليستية في شاهرود وصولاً إلى ورش تجميع الطائرات المسيرة الانتحارية. كما انصبت الجهود على التحليل المعمق للمنشآت النووية والعسكرية المحصنة تحت الأرض، مثل فوردو ونطنز، عبر توظيف بيانات “جيوتقنية’” كشفت عن التفاصيل الإنشائية ونقاط الضعف الهيكلية، مما أتاح الاستخدام الأمثل للقذائف الخارقة للتحصينات. ومثلت “الأهداف المتحركة”، وتحديداً منصات إطلاق الصواريخ المتنقلة، التحدي العملياتي الأكبر، حيث استلزم الأمر نظام مراقبة لحظي يدمج بين المسيرات المسلحة واختراق أنظمة الدفاع الجوي، وهو ما أسفر عن تدمير نحو 300 منصة متنقلة في الأيام الأولى للحرب، مما أدى إلى تقليص حاد في قدرة طهران على تنفيذ ضربات صاروخية انتقامية كثيفة.”

سابعًا: الردع الإدراكي: هندسة الوعي وتفكيك الجبهة الداخلية للخصم
تُعد الحرب النفسية بعداً استراتيجياً حاسماً لا يستهدف فحسب القدرات المادية للخصم، بل يسعى بالأساس إلى اختراق ‘الإدراك الجمعي’ وتفكيك بنية صنع القرار السياسي والعسكري. فهي توظف تدفقات المعلومات—سواء كانت حقيقية أو موجهة—لخلق حالة من الإرباك لدى القيادة العليا وزعزعة الثقة المتبادلة بين المجتمع ومؤسسات الدولة. وفي سياق المواجهة الممتدة مع إيران، اعتمدت واشنطن وتل أبيب على سياسة “التسريبات المدروسة” حول عمق التغلغل الاستخباراتي، بالتوازي مع نشر توثيقات بصرية دقيقة للضربات، لترسيخ انطباع ذهني مؤداه أن البنية السيادية الإيرانية باتت مكشوفة تماماً أمام الخصوم.

وهنا، لعبت العمليات السيبرانية دوراً محورياً في ما يُعرف بـ “الردع الإدراكي”، عبر إرسال رسائل ميدانية مفادها أن القدرة على التعطيل الكلي للمرافق الحيوية هي خيار متاح في أي لحظة. كما أسهم استهداف الشخصيات المحورية في البرنامجين النووي والعسكري في خلق مناخ من ‘عدم الأمان الشخصي والوظيفي’ داخل دوائر القرار الضيقة، مما أدى بالضرورة إلى إبطاء وتيرة المبادرات الاستراتيجية وتغليب النزعة الدفاعية الحذرة. وتتسع هذه الأدوات لتشمل استعراض القوة المحسوب، مثل المناورات الكبرى ونشر المنظومات المتطورة، لتضخيم إدراك التهديد في عقل صانع القرار الإيراني.

فضلاً عن ذلك، يتم توظيف الفضاء الرقمي ومنصات التواصل لتضخيم روايات الانكسار وتعميق الفجوة بين السلطة والجمهور عبر إبراز العجز التقني. إن ‘الغموض الاستراتيجي المتعمد’ الذي يغلف هذه العمليات يفتح المجال أمام أسوأ السيناريوهات والتقديرات الاستخباراتية لدى الخصم، مما يحول الحرب النفسية من مجرد أداة مساندة إلى مكوّن بنيوي فاعل، يتشابك مع الفعل العسكري والاستخباراتي لتشكيل بيئة ضاغطة تُعيد توجيه سلوك الخصم وتحد بشكل قسري من خياراته الاستراتيجية الكبرى.”

ختامًا، وفي ضوء ما سبق، يتبين أن الصراع لم يعد يُدار بمنطق الحروب التقليدية، بل أصبح نموذجاً متقدماً تُقاس فيه الفاعلية بالقدرة على توظيف الاستخبارات والتكنولوجيا للتأثير في بنية الخصم. وتنطلق هذه الدراسة من فرضية أن “الحرب من الظل” تمثل تحولاً بنيوياً ينقل مركز الثقل من الميدان العسكري إلى ساحات سيبرانية ومعلوماتية وإدراكية. وبناءً عليه، يتجه مستقبل الصراعات نحو “التخفي الاستراتيجي” وزيادة دور الذكاء الاصطناعي والحرب النفسية، حيث الهدف هو إضعاف قدرة الخصم على اتخاذ القرار وإدخاله في حالة ارتباك مستمر.

وتعكس هذه التحولات انتقال النظام الدولي لمرحلة تتآكل فيها الحدود بين الحرب والسلم، لتصبح حالة “الصراع الدائم منخفض الحدة” هي النمط السائد لتجنب كلفة المواجهة الشاملة. إن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي سيزيد من سرعة الصراعات وعدم اليقين، مما يجعل البيئة الاستراتيجية أكثر هشاشة. وعليه، فإن التحدي أمام الدول يكمن في تطوير عقائد أمنية تدمج الاستخبارات بالتكنولوجيا وتعزز الحماية الإدراكية للمجتمع. والفاعلون القادرون على التكيف مع منطق “الحرب من الظل” سيكونون الأجدر بفرض توازنات جديدة في النظام الدولي، ليس عبر المواجهة، بل عبر إعادة تشكيل بيئة الصراع ذاتها.

إعداد: عبد الحميد السعيد – مراجعة: د. هيثم عمران – مركز إيجبشن انتربرايز