هل أصبح الذكاء الاصطناعي زميلاً خفياً في غرفة الأخبار؟
تقبع نهى خلف مكتبها تحاكي شات جي بي تي بعد أن أصبح جزءاً من عملها اليومي، رغم أنها كانت من أشد الرافضين لفكرة الكتابة عبر الذكاء الاصطناعي. فبالنسبة لها لم يكن الأمر مجرد أداة، بل مسألة تمس هويتها بصفتها كاتبة نشأت على حب الكلمة ومارست الكتابة الصحفية والأدبية منذ صغرها قبل أن تتخصص في القضايا الحقوقية والإنسانية. لذلك بدت لها فكرة كتابة قصة إنسانية عبر “روبوت” لا يملك إحساساً أمراً يصعب تقبله.
تقول نهى إن رفضها لم يدم طويلاً؛ فمع بدء عملها في مؤسسة لكتابة المحتوى طُلب منها استخدام هذه الأدوات لتسريع وتيرة الإنتاج، “في البداية عاندت كثيراً وشعرت بشيء من الرفض؛ كيف يمكن أن أعتمد عليه في كتابة خبر؟ ما قيمة ما قد يقدّمه؟ لكنها تستدرك: “مع ضغط العمل بدأت باستخدامه تدريجياً، ليس بناء على قناعة، بل بدافع الحاجة” لتجد نفسها لاحقاً في حالة من التناقض؛ فهو يساعدها على الوصول إلى المعلومات بسرعة لكنه يسلبها متعة البحث التي كانت جزءاً من شغفها وعلاقتها الخاصة بالكتابة.
لم تكن نهى الوحيدة التي تعيش هذا التناقض، فقد أظهر استطلاع أجرته معدّة التقرير (1) أن 37.3% من الصحفيين يشعرون بالحزن نتيجةَ تراجع دورهم الإبداعي، في حين عبّر 27.5% عن شعورهم بالراحة والإنتاجية، وأشار 23.5 % إلى شعورهم بالقلق والتوتر وفقدان السيطرة على العمل إلى جانب الغضب الناتج عن عدم قدرتهم على فهم هذه التقنيات أو استخدامها.
ترى عبير أبو طوق الصحفية المتخصصة في الإعلام الرقمي أن السؤال لم يعد: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي أم لا؟ بل أصبح يتردد بهذه الصيغة: كيف نستخدمه دون أن يؤثر على بنية المادة الصحفية وجودتها؟
استخدام واسع وإفصاح محدود
في ظل تسارع التحول الرقمي دخلت تقنيات متعددة إلى العمل الصحفي كالواقع المعزز والافتراضي وأدوات التدقيق اللغوي والكتابة الصوتية وتوليد ومعالجة اللغة الطبيعية إلى جانب النظم الخبيرة والشبكات العصبية، ليصبح الصحفي مطالباً باستخدام هذه الأدوات لإنتاج المادة الإعلامية بمختلف أشكالها، ويؤكد ذلك 41.9% من الصحفيين المشاركين في الاستطلاع؛ إذ أشاروا إلى أن هذه التقنيات أصبحت مفروضة عليهم بحكم طبيعة عملهم.
كما تشير نتائج الاستطلاع إلى أن 78.4% من الصحفيين يستخدمون تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحرير الأخبار وإعداد المحتوى مع تفاوت في وتيرة الاستخدام؛ حيث يستخدمه 45.1% أحياناً، و31.4% بشكل دائم و23.5% بشكل نادر.
وفي هذا السياق يوضح خليل النظامي المدير التنفيذي لقناة عرب سكاي الرقمية أن هذه التقنيات تحوّلت إلى أداة تشغيلية مؤثرة، خصوصاً في التحقيقات الاستقصائية والتقارير المعمّقة وصحافة تحليل البيانات، مشيراً إلى استخدامها في بناء الخط الزمني للقصص وتلخيص الملفات الطويلة وتفريغ المقابلات ومقارنتها مع مصادر أخرى، وهي ليست موجة عابرة، بل امتداد طبيعي للتطوّر.
تشير نتائج الاستطلاع إلى أن 78.4% من الصحفيين يستخدمون تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحرير الأخبار وإعداد المحتوى مع تفاوت في وتيرة الاستخدام؛ حيث يستخدمه 45.1% أحياناً، و31.4% بشكل دائم و23.5% بشكل نادر.
ولا يقتصر استخدام الذكاء الاصطناعي على المهام المتعددة، بل يمتد إلى تفاصيل العمل الصحفي اليومية، حيث أظهرت نتائج الاستطلاع أن 51% من الصحفيين يستخدمونه في توليد العناوين، و43.1% في البحث وجمع المعلومات، و39.2% في تلخيص المواد، فيما يلجأ 25.5% إلى صياغة النصوص الأولية، و21.6% إلى التدقيق اللغوي والتحرير، و13.7% إلى تحليل البيانات.
هذا الحضور الواسع للذكاء الاصطناعي في مختلف مراحل الإنتاج الصحفي يطرح تساؤلاً يتجاوز مسألة الاستخدام بحد ذاتها: هل يتم الإفصاح عن هذا الدور؟
على مستوى الممارسة، تشير تجارب الصحفيين إلى تباين واضح في هذا الجانب؛ إذ يقول أحمد – وهو صحفي يعمل في المجال الإخباري – إنه لا يفصح دائماً عن استخدامه للذكاء الاصطناعي، موضحاً أنه يلجأ إليه في مهام مثل تفريغ المقابلات أو التدقيق اللغوي أو الوصول إلى معلومات أولية، دون أن يرى ضرورة للإفصاح عن ذلك؛ باعتباره استخداماً تقنياً مساعداً.
وبصورة مشابهة، يوضح رياض أنه يستخدم هذه التقنيات في توليد العناوين وتلخيص المواد الصحفية، دون اعتبار ذلك جزءاً يستوجب الإفصاح، طالما أن الدور البشري لا يزال حاضراً في الصياغة النهائية.
في المقابل تعكس بعض المواقف قدراً من التردد؛ حيث تعبر روان الصحفية المتخصصة في الإعلام الرقمي عن شعورها بالحرج عند إرسال مواد جرى تطويرها بالذكاء الاصطناعي؛ انطلاقاً من قناعة بأن الاعتماد عليه يجب أن يبقى في حدود الدعم لا الاستبدال.
وتؤكد نتائج الاستطلاع هذا التباين؛ إذ أظهرت أن 43.1% من الصحفيين لا يفصحون عن استخدامهم للتقنيات، مقابل 56.9% ممن يفصحون عنه، وهو ما يشير إلى غياب معايير واضحة تحكم هذه الممارسة، كما تتقاطع هذه النتائج مع دراسات دولية حديثة تشير إلى أن نسبة كبيرة من المحتوى الصحفي المنتج بالذكاء الاصطناعي لا يتضمن إشارة صريحة له.(2)
51% من الصحفيين يستخدمونه في توليد العناوين، و43.1% في البحث وجمع المعلومات، و39.2% في تلخيص المواد، فيما يلجأ 25.5% إلى صياغة النصوص الأولية، و21.6% إلى التدقيق اللغوي والتحرير، و13.7% إلى تحليل البيانات
“الغياب الكبير”
مع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي بشكل متزايد إلى غرف الأخبار، تكشف نتائج الاستطلاع عن فجوة مقلقة في التنظيم المؤسسي؛ إذ تبيّن أن 78.4% من المؤسسات الإعلامية لا تمتلك سياسات واضحة لاستخدام هذه التقنيات مقابل 21.6% فقط لديها أطر تنظيمية، وهو ما يضع هذا الاستخدام في منطقة رمادية تفتقر للضبط والمعايير الواضحة.
وتؤكد ذلك دراسة (3) صادرة عن Thomson Reuters Foundation حيث إن أكثر من 80% من الصحفيين في دول الجنوب العالمي أو البلدان النامية يستخدمون تقنيات الذكاء الاصطناعي في عملهم، رغم غياب سياسات واضحة لتنظيم هذا الاستخدام في معظم غرف الأخبار.
يقول طارق النواصرة – وهو معد برامج في قناة المملكة – إن القناة لم تعتمد حتى الآن سياسة تشغيلية موسعة لاستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في التحرير؛ نظراً لعدم توظيفها بشكل مباشر في إنتاج المحتوى الصحفي، فيما يشير رئيس تحرير في إحدى المؤسسات الإعلامية الأردنية (آثر عدم ذكر اسمه) إلى أن غياب السياسة لا يعني المنع، بل يرتبط ذلك بوعي الإدارة واستعدادها للتحول الرقمي وقناعة الصحفيين بأهمية هذه التقنيات.
يرى خليل النظامي أن وضع بروتوكول واضح لاستخدام الذكاء الاصطناعي داخل غرف الأخبار أمر ضروري؛ إذ إن ترك الأمر للاجتهادات الشخصية يخلق فوضى ويؤدي إلى تفاوت في المعايير ويعرّض المؤسسة للمساءلة. بينما تعتقد أبو طوق أن غياب السياسات يمكن تعويضه بوضع قواعد واضحة ومكتوبة مع مراجعتها بشكل دوري لمواكبة التطورات التقنية وضمان الاستخدام المهني الصحيح.
ويشدد النظامي على أن تمرير مادة صحفية أُنتجت كلياً أو جزئياً باستخدام الذكاء الاصطناعي على أنها “إنتاج إنساني بالكامل” يعد سلوكاً غير أخلاقي، خصوصاً عندما يشارك الذكاء الاصطناعي في كتابة نص المادة أو صياغة الاستنتاجات، موضحاً أن استخدام الأدوات التقنية البحتة مثل التصحيح اللغوي وتفريغ المقابلات يبقى مقبولاً بشرط أن يظل الصحفي هو المسؤول الأول عن المحتوى.
43.1% من الصحفيين لا يفصحون عن استخدامهم للتقنيات، مقابل 56.9% ممن يفصحون عنه، وهو ما يشير إلى غياب معايير واضحة تحكم هذه الممارسة، كما تتقاطع هذه النتائج مع دراسات دولية حديثة تشير إلى أن نسبة كبيرة من المحتوى الصحفي المنتج بالذكاء الاصطناعي لا يتضمن إشارة صريحة له
ماذا عن الإفصاح للجمهور؟
يرى النظامي أن الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة تحسّن جودة المحتوى الصحفي وتختصر الوقت، لكن في ظل غياب السياسات المؤسسية، يبقى السؤال: هل يجب إعلام الجمهور بكيفية إنتاج المحتوى؟
ترى عبير أن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لم يعد خافياً على أحد؛ إذ بات حتى غير المختصين قادرين على تمييز المحتوى المنتج جزئياً أو كلياً عبر الذكاء الاصطناعي.
لكن الواقع مختلف فالمؤسسات لا تفصح غالباً عن ذلك؛ فقد أظهرت نتائج الاستطلاع أن 35.5% من المؤسسات لا تفصح عن استخدام هذه التقنيات، مقابل 38.7% ممن يفصحون، فيما أفاد 16.1% بعدم معرفتهم، و9.7% بأن الإفصاح يحدث أحياناً.
وعلى المستوى العالمي أظهرت دراسة Trusting News أن 93.8 ٪ من قرّاء الأخبار يريدون إعلاناً واضحاً عند استخدام الذكاء الاصطناعي، كما أظهرت دراسة دولية أن 61.3% من جمهور الولايات المتحدة يطالبون بالكشف عن المحتوى المنتج بالذكاء الاصطناعي، و49% منهم يرغبون في تمييز النصوص والصور التي أنشأها الذكاء الاصطناعي. (5)
يؤكد النظامي أن تمرير المحتوى المنتج بالذكاء الاصطناعي دون علم الجمهور يهدد المصداقية ويضعف الثقة، بينما ترى أبو طوق أن وضع بروتوكولات واضحة لتعريف الجمهور بالتقنيات المستخدمة في إنتاج المحتوى حق أساسي للمستهلك.
ويشدد النظامي على أن مواثيق العمل الصحفي يجب أن تتضمن بنداً واضحاً للإفصاح الإلزامي عند استخدام تقنيات وأدوات الذكاء الاصطناعي، بحيث تبقى الأولوية دائماً للإفصاح، بينما يمكن الاكتفاء بالإشراف والتحرير البشري عند استخدامها في مهام داعمة كالتفريغ والتلخيص وتنظيم الملفات بما يسرع الإنتاج ويضمن الحفاظ على مصداقية المحتوى وقيادة الصحفي في غرف الأخبار.
المراجع
1) الاستطلاع مخصص فقط لكتابة مقال مجلة الصحافة، وليس بحثاً منهجياً يخضع لآلية استطلاع الرأي أو مقومات الاستمارة العلمية، ولذلك فإنه نتائجه نسبية وغير قابلة للتعميم.
2) Russell, J., Karpinska, M., Akinode, D., Thai, K., Emi, B., Spero, M., & Iyyer, M. (2025). AI use in American newspapers is widespread, uneven, and rarely disclosed. arXiv preprint arXiv:2510.18774.
3) Radcliffe, Damian. “Journalism in the AI era: Opportunities and challenges in the Global South and emerging economies.” Available at SSRN 5229014 (2025).
فرح راضي الدرعاوي – الجزيرة
