كيف تسببت الحرب في تصاعد أزمة الهيليوم؟

لم تقف تداعيات الحرب بين إيران وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل عند تعطل سوق النفط العالمي فحسب، بل امتدت لتهدد إمدادات العالم من الهيليوم – وهو منتج ثانوي لمعالجة الغاز الطبيعي – ما تسبب في زيادة أسعاره بنسبة 50٪. وربما أول ما يحضر إلى الذهن عند ذكر الهيليوم هو استخدامه للبالونات، إلا أن أهميته الفعلية تتجاوز ذلك، ويرجع هذا إلى كونه مورداً نادراً وغير متجدد.[1] إذ يعد مكوناً رئيسياً في إنتاج رقائق أشباه الموصلات التي لا غنى عنها في تشغيل الهواتف والحواسب الذكية وكذلك السيارات الحديثة، ما يجعله لازماً للثورة التكنولوجية، حيث يتم استخدامه في مراحل متعددة في عملية صنع الرقائق، بما في ذلك عملية التبريد، وكغاز حامل، كما يتم استخدامه لاكتشاف التسرب.[2]

وفي سياق آخر، تعتمد عليه الصناعات الطبية لا سيما في تشغيل أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي. كما يستخدم في مجالي الفضاء والدفاع لتطهير خزانات وقود الصواريخ، ما يعزز من توقعات تنامي الطلب عليه في ظل تزايد عمليات الإطلاق الفضائي. وفي ضوء غياب بدائل أخرى فعالة على المستوى الصناعي، فإن أي اضطراب في إمداداته ينعكس مباشرة على قطاعات حساسة مثل الصحة والتكنولوجيا والبحث العلمي.[3]

خريطة الدول المنتجة لغاز الهيليوم

تكمن خطورة سوق الهيليوم في قلة عدد البلدان المنتجة له، ما يعني أن أي خلل يحدث من جانب إحدى هذه الدول قد يؤدي إلى زعزعة استقرار السوق العالمية. وقد شهد عام 2025، إنتاج ما يقارب الـ 190 مليون متر مكعب من غاز الهيليوم. وتأتي الولايات المتحدة وقطر على رأس المنتجين، حيث ينتج كلاهما أكثر من 70% من إجمالي الإنتاج العالمي. ففي حين أنتجت الولايات المتحدة حوالي 81 مليون متر مكعب، قامت بقطر بإنتاج 63 مليون متر مكعب. وجاءت روسيا في المرتبة الثالثة بـ 18 مليون متر مكعب، تلتها الجزائر في المرتبة الرابعة بـ 11 مليون متر مكعب. كما تنتج جنوب إفريقيا ما يقارب 9 مليون متر مكعب، وتنتج كندا 6 مليون متر مكعب، وتأتي الصين وبولندا في المركز التالي بـ 3 مليون متر مكعب.

انعكاسات الحرب على إمدادات الهيليوم

ولعل ما يلفت الانتباه هنا هو تمثيل قطر لما يقرب من ثُلث إمدادات العالم من الهيليوم. وبالتالي، أدى استهداف مدينة رأس لفان الصناعية القطرية — أكبر مركز لإنتاج الهيليوم في العالم – إلى توقفها عن الإنتاج، وهو ما انعكس على إعلان شركة قطر للطاقة حالة القوة القاهرة Force Majeure في 2 آذار 2026، على نحو أثر على إمدادات الهيليوم. وقد أشارت التقديرات إلى أن إعادة بناء خطوط الإنتاج قد يستغرق ما بين ثلاث إلى خمس سنوات. وبينما تعد روسيا من المنتجين الرئيسيين الآخرين، إلا أن الإمدادات الروسية محظورة بموجب العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عليها.[4]

وقد أثار ذلك قلق دول مثل تايوان وكوريا الجنوبية بشكل خاص، نظراً لاعتمادهما على دول مجلس التعاون الخليجي بنحو 70٪ من الإمدادات. ومثالاً، على الرغم من حيازة كوريا لمخزونات كافية حتى حزيران القادم، فإن قدرتها على امتصاص الصدمة مؤقتة Short-Term Buffering.[5]

أما بالنسبة لتايوان، وتحديداً شركة TSMC والتي تنتج ما يقرب من 90% من أكثر الرقائق تقدماً في العالم (بما في ذلك التي تستخدمها أبل، وإنفيديا)، فقد أعلنت جاهزيتها بشكل أكبر وعدم تأثرها بشكل كبير في الوقت الحالي، بفضل مخزونها وما تمتلكه من تكنولوجيا إعادة تدوير الهيليوم.

وربما يعود عدم الاهتمام الكافي بهذا الملف إلى أن تداعياته ستكون على مدى زمني أبعد، في ظل ارتباطه بعقود طويلة الأجل، فضلاً عن تخزين المصنعين ما يزيد عن شهرين من إمداداته. ومن ثم، سيستشعر الأثر عند نفاد المخزون. وكما سبقت الإشارة، لا ترتبط تلك الأزمة بديناميكيات السوق فحسب، بل أيضاً بخصائص الهيليوم ذاته كمورد نادر وغير متجدد، والمتمثلة في أن تكوّنه يستغرق ملايين السنين ولا يمكن تعويضه صناعياً، كما أن فقدانه في الغلاف الجوي يجعله خارج دورة الاستخدام بشكل نهائي.

 وفي هذا الصدد، حذر بعض المصنعين بالفعل من أنهم لن يتمكنوا من تحقيق أهداف تصنيعهم بحلول عام 2030، نتيجة عدم كفاية الموارد لتعويض نسبة الاضطراب البالغة 33% على مستوى العالم، والمتمثلة في حصة قطر من الإمدادات.[6] وفي حين أثارت تلك الحرب ومن قبلها أزمة كوفيد 19 مطالب بشأن تنويع سلاسل الإمداد، إلا أن تحقيق ذلك سيستغرق وقتاً طويلاً، وهو ما يمثل عائقاً إضافياً على الشركات والمؤسسات الصغيرة التي لا تمتلك القدرة المالية على تحمل ارتفاع تكاليفه، مما يؤدي إلى خلق فجوة في الوصول إلى هذا المورد الحيوي.[7]

دروس من تجربة الاحتياطي الفيدرالي للهيليوم

وقد أثار موضوع الهيليوم جدلاً داخل الولايات المتحدة، فقد وصفه البعض بضعف الإدارة والاستشراف، إثر بيعها للاحتياطي الفيدرالي من الهيليوم بشكل تدريجي للقطاع الخاص في إطار سياسات اقتصادية اتجهت نحو تقليص دور الدولة وتعزيز السوق الحرة في أواخر التسعينيات. ويذكر أن الحكومة الأمريكية كانت قد أنشأت هذا الاحتياطي عام 1925، في ضوء زيادة أهميته العسكرية والعلمية، وذلك على غرار فكرة الاحتياطي النفطي الاستراتيجي، بهدف تأمين الإمدادات وحماية السوق من التقلبات الحادة. وقد أصبح هذا الاحتياطي عنصراً أساسياً في دعم الابتكار العلمي والتكنولوجي داخل الولايات المتحدة لفترة طويلة.

غير أن تعاقب الأزمات مروراً بالأخيرة المتعلقة بإيران، أعاد فتح الملف، مشككاً في قدرة السوق على تلبية الطلب، ما طرح تساؤلات بشأن إمكانية تجنب الأزمة لو احتفظت الولايات المتحدة باحتياطيها الفيدرالي منه، والذي مثل قرابة 40٪ من المعروض العالمي في عام 2013، ما أسهم في استقرار العرض والأسعار آنذاك، قبل أن تبيع البلاد آخر مخزونها عام 2024، لتدخل السوق العالمية – بعد أقل من عامين – في موجة نقص جديدة. ولعل أبرز ما يمكن استخلاصه من هذه التجربة فيما يتعلق بالسياسات العامة هو أن بعض الموارد لا يمكن تركها بالكامل لقوى السوق، خاصة إذا كانت نادرة وحيوية.

وفي مقابل ذلك، رأى آخرون استفادة الولايات المتحدة من تلك الأزمة أو على الأقل عدم تضررها، وذلك لأن مصنّعي أشباه الموصلات في الولايات المتحدة، ولا سيما أولئك الذين لديهم قدرة تصنيع محلية كبيرة مثل إنتل، يوفروا غالبية احتياجاتهم من داخل البلاد في مواقع إنتاج مثل تكساس، وايومنغ، وكانساس، وأوكلاهما. وبالتالي، هم أقل تعرضاً للنقص الفوري في الهيليوم مقارنة بنظرائهم الآسيويين.[8]

لكن تجدر الإشارة إلى أن هذا الاعتماد الكبير على مصادر غير خليجية لا يجعل الصناعة الأمريكية بمنأى عن الأزمات الجيوسياسية. ويبرز هذا في نموذج عمل شركات تصميم الرقائق (وهي شركات غير مصنعة) مثل Nvidia  وAMD والتي رغم عدم انخراطها المباشر في عمليات التصنيع المادي، تعتمد كلياً في إنتاج معالجاتها المتطورة على أشباه الموصلات الآسيوية، وعلى رأسها شركة TSMC التايوانية. وبما أن هذه المصانع العملاقة تعتمد في عملياتها التشغيلية على تدفقات الهيليوم القادمة من دول مجلس التعاون الخليجي لتأمين احتياجاتها الضخمة، فإن أي اضطراب في تلك الإمدادات يخلق تأثيراً متسلسلاً  Cascading Effect، وهو ما يعني أنها عرضه لمواجهة مخاطر غير مباشرة.[9]

ختاماً، تطرح تلك الأزمة دلالتين رئيسيتين: أولاهما، هو التحول في طبيعة الأمن الاقتصادي، حيث باتت الموارد التكنولوجية جزءاً أساسياً من معادلة القوة. وثانيتهما، تشير خريطة الإنتاج غير المتماثلة إلى الاختلال الواضح في توزيع المعروض من الهيليوم، ما يتيح للدول المنتجة التأثير في الأسواق، سواء بشكل عمدي أو غير عمدي نتيجة التغيرات الجيوسياسية.

وأخيراً، يمكن القول إن أزمة الهيليوم تمثل نموذجاً لتقاطع الجغرافيا السياسية مع الاقتصاد والتكنولوجيا، ما يدعو لمراجعة الأمن القومي بمفهومه التقليدي ليشمل آفاقاً جديدة تتضمن القدرة على تأمين الموارد الحيوية والتحكم في سلاسل الإمداد، وفي صميم هذه المراجعة يأتي مفهوم عسكرة سلاسل الإمداد Militarization of Supply Chain  الذي انتهجته دول مثل الصين مؤخراً، وذلك على غرار ما قامت به الدول الاستعمارية الكبرى في القرون السابقة.


[1] Freddy Brewster, “The War in Iran Has Triggered a Helium Crisis,” Jacobin, April 21, 2026, https://jacobin.com/2026/04/helium-reserve-us-war-iran.

[2] Nick Lichtenberg, “The AI Economy Runs on Helium. The Iran War Just Created a $650 Billion Problem,” Fortune, April 22, 2026, https://fortune.com/2026/04/22/helium-forecast-outlook-iran-war-moodys/.

 [3] كالوم باينز ، “غاز الهيليوم: كيف تستعد الدول لمواجهة نقص هذا العنصر؟”، BBC News عربي، 2 نيسان 2025. https://www.bbc.com/arabic/articles/c62jdl7lpleo.

[4] Prateek Tripathi, “Has the Iran War Triggered Another Semiconductor Crisis?,” orfonline.org, April 13, 2026, https://www.orfonline.org/expert-speak/has-the-iran-war-triggered-another-semiconductor-crisis.

[5] Avery Lotz, “Iran War Deflates Critical Helium Production Supplies,” Axios, April 7, 2026, https://www.axios.com/2026/04/07/iran-war-qatar-helium-production.

[6] Megan Cerullo, “It’s Not Just Oil – the Iran War Is Disrupting Helium and Aluminum Supplies. Here’s the Impact.,” CBS News, March 31, 2026, https://www.cbsnews.com/news/iran-war-helium-aluminum-shortage-impact/.

[7] “Helium: Uses, Importance and Sustainability Issues,” Air Liquide Egypt, August 14, 2025, https://eg.airliquide.com/helium-applications-sustainability.

[8] Francis Sideco, “Helium Crisis Tightens Grip on Global Chip Supply Chain,” Forbes, April 7, 2026, https://www.forbes.com/sites/tiriasresearch/2026/04/07/helium-crisis-tightens-grip-on-global-chip-supply-chain/

[9] Ibid.

رنا أحمد – مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

موضوعات ذات صلة