الذخائر الإستراتيجية وحرب الاستنزاف
درج مصطلح “حرب الاستنزاف” قديمًا للإشارة إلى استمرار المواجهة العسكرية، ولكن بمستوى تصعيد أقل بكثير من الحرب الشاملة. وتُطبَّق استراتيجية الاستنزاف عادةً ضد عدو لم يتمكن من إنهاء الصراع وفرض شروطه الكاملة على خصمه، فيعمد هذا الخصم إلى محاولة استنزاف العدو وفرض حالة تهديد دائم على قواته، ما يجبره على استهلاك مقدرات مادية ومعنوية تُضعف طاقته العسكرية والاقتصادية والأمنية على مدى طويل.
في الحروب الحديثة، وخاصة تلك التي تُصنَّف بأنها “عالية الكثافة”، مثل الحرب الأميركية-الإيرانية الأخيرة، تحوَّل مفهوم الاستنزاف ليطال قدرات عسكرية محددة، مثل مخزونات الصواريخ الاعتراضية المستخدمة ضد المسيّرات والصواريخ الباليستية. وقد شاهدنا هذا النموذج في الحرب الروسية-الأوكرانية، وبشكل أوضح في الحرب الأميركية-الإيرانية الأخيرة، حيث يكمن الاستنزاف في الاستهلاك الهائل للذخائر الاعتراضية، لا سيما الاستراتيجية منها، بمعدلات تتجاوز التوقعات وتفوق القدرة على التعويض السريع.
كان الاستنزاف متبادلًا بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، إضافة إلى دول الخليج التي تعرضت لضربات إيرانية دفعتها إلى استهلاك كميات كبيرة من الصواريخ الاعتراضية. وقد صُنِّفت هذه الحرب بأنها “عالية الكثافة”، وتشير المعلومات إلى أن إيران استنزفت نحو 70% من قدراتها من المسيّرات والصواريخ الباليستية والجوالة، سواء عبر الإطلاق أو نتيجة التدمير، بينما نجحت في المقابل في استنزاف جزء مهم من الذخائر الاستراتيجية الأميركية والإسرائيلية، ولا سيما صواريخ توماهوك، والقنابل الموجهة من فئة GBU، وصواريخ الاعتراض التابعة لمنظومتي THAAD وPatriot.
كانت الحرب عملية استنزاف متبادل للقدرات الاستراتيجية، بهدف إيصال الخصم إلى “نقطة الذروة”، وهي المرحلة التي تبدأ بعدها القدرات العسكرية بالتراجع ميدانيًا. وتشير التقديرات إلى أن جميع الأطراف وصلت إلى مستويات حرجة في احتياطيات بعض الذخائر، وربما كان ذلك أحد دوافع الانخراط في حراك دبلوماسي ومسار تفاوضي للاستفادة المبكرة من نتائج المواجهة العسكرية، وتجنب استمرار القتال الذي كان سيؤدي إلى دمار اقتصادي واسع في إيران، وفي المقابل إلى استنزاف حرج للقدرات العسكرية الأميركية والإسرائيلية، خصوصًا في مجال الصواريخ الاعتراضية، ما قد ينعكس على الجاهزية العسكرية الأميركية في مناطق أخرى من العالم. وقد أثار هذا الواقع مخاوف لدى محللي الدفاع من احتمال مواجهة الولايات المتحدة لحالة “إفلاس استراتيجي مؤقت” في حال اندلاع نزاع متزامن مع قوة كبرى في منطقة المحيط الهادئ أو أي مسرح عمليات آخر.
أشارت دراسات مراكز أبحاث الدفاع الأميركية، وفي مقدمتها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، إلى أنه في سيناريو المواجهة الواسعة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، برزت معضلة أساسية تتمثل في استنزاف المخزون الاستراتيجي بوتيرة أسرع بكثير من قدرة الصناعة العسكرية على إعادة إنتاجه.
وعلى صعيد الذخائر الهجومية، مثل صواريخ توماهوك وقنابل GBU، يُعد صاروخ Tomahawk Cruise Missile أحد أبرز أدوات القصف الاستراتيجي الأميركي بعيدة المدى. إلا أن قدرته الإنتاجية كانت محدودة تاريخيًا، وتشير تقديرات CSIS إلى أن المخزون الأميركي يُقدَّر بما بين 3 آلاف و4 آلاف صاروخ، في حين يبلغ معدل الإنتاج السنوي لشركة RTX بين 55 و90 صاروخًا، وتبلغ تكلفة الصاروخ الواحد ما بين 1.3 و2 مليون دولار. وقد تجاوز عدد صواريخ توماهوك التي أُطلقت خلال هذه الحرب ألف صاروخ، ما يعني أن تعويض هذا النقص قد يستغرق نحو عشر سنوات في الظروف الصناعية الاعتيادية.
أما بالنسبة للقنابل الخارقة للتحصينات، مثل GBU-31 JDAM وGBU-57 Massive Ordnance Penetrator، فقد تم استهلاك كميات كبيرة من النوع الأول، بينما استُخدمت 14 قنبلة من طراز GBU-57 ضد المواقع النووية الإيرانية. وتجدر الإشارة إلى أن حجم مخزون هذا النوع من القنابل يُعد من المعلومات السرية، إلا أن بعض التقديرات تشير إلى أنه لا يتجاوز 100 قنبلة.
وبالنسبة للصواريخ الاعتراضية ومنظومات الدفاع الجوي، مثل Patriot وTHAAD، فقد استُخدمت كميات كبيرة منها خلال الحرب. وتشير المعلومات إلى استخدام ما بين 190 و290 صاروخًا من منظومة THAAD، بينما ذكرت تقارير أن نحو 200 صاروخ اعتراضي منها استُخدم للدفاع عن إسرائيل ضد الهجمات الإيرانية. وقد طلب الجيش الأميركي شراء 857 صاروخًا اعتراضيًا إضافيًا ضمن السنة المالية 2027، مع توقع بدء وصول الشحنات في منتصف عام 2029، كما تعمل شركة لوكهيد مارتن على رفع طاقتها الإنتاجية السنوية إلى 400 صاروخ لتلبية الطلب المتزايد.
وتُقدَّر تكلفة الصاروخ الاعتراضي الواحد من منظومة THAAD بنحو 15.5 مليون دولار، وتشير بعض التقارير إلى أن فعاليته أمام الأجيال الحديثة من الصواريخ الإيرانية المزودة بمركبات إعادة دخول مناورة أو مركبات انزلاقية فرط صوتية كانت محل نقاش بين الخبراء.
أما منظومات Patriot، فقد امتلكت الولايات المتحدة قبل الحرب مخزونًا يُقدَّر بنحو 2500 صاروخ من طرازي PAC-2 وPAC-3. وقدّر CSIS إطلاق ما بين 1060 و1430 صاروخًا منها خلال الحرب، في حين يبلغ الإنتاج السنوي نحو 650 صاروخًا، يُخصص جزء منها للقوات الأميركية والباقي للعملاء الدوليين. وتبلغ تكلفة الصاروخ الواحد ما بين 3 و4.5 ملايين دولار، وقد تعهدت شركة لوكهيد مارتن برفع الإنتاج السنوي إلى 2000 صاروخ. وقد أدى النقص في الصواريخ والقاذفات والرادارات ومكونات منظومتي Patriot وTHAAD إلى إعادة توزيع بعض القدرات الدفاعية الأميركية عالميًا، بما في ذلك سحب بعض المنظومات من مواقع استراتيجية مثل كوريا الجنوبية.
كما تعرضت مخزونات صواريخ الدفاع الباليستي التابعة للبحرية الأميركية إلى استنزاف كبير، حيث تشير المعلومات إلى أن المخزون قبل الحرب بلغ نحو 400 صاروخ من طراز SM-3 و1250 صاروخًا من طراز SM-6، استُهلك منها حوالي 250 صاروخًا من طراز SM-3 وما بين 190 و370 صاروخًا من طراز SM-6، وقدّر CSIS أن إعادة بناء هذه المخزونات إلى مستويات ما قبل الحرب قد تستغرق نحو عامين.
وعانت إسرائيل أيضًا من استنزاف كبير في دفاعاتها الجوية، ما هدد قدرتها على حماية أصولها العسكرية والاقتصادية والمنشآت الحساسة. وعلى الرغم من اعتمادها على الدعم والعمق العملياتي الأميركي، فإنها واجهت في المراحل الأخيرة شحًا في قدرات الدفاع الجوي، ما اضطرها إلى إعادة ترتيب أولويات الحماية بين الأهداف العسكرية والاقتصادية والمدنية. واعتمدت إسرائيل على منظومات Arrow وDavid’s Sling، وفي بعض المراحل على Patriot، إضافة إلى منظومات THAAD الأميركية التي عززت دفاعها متعدد الطبقات. كما أن إسرائيل لا تمتلك مخزونًا استراتيجيًا كافيًا لخوض حرب استنزاف طويلة، وتعتمد بدرجة كبيرة على التدفق المستمر للذخائر الأميركية.
وكشفت الحرب كذلك عن ثغرات في منظومات الدفاع الجوي لدى دول الخليج أمام الهجمات المكثفة بالصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، إذ لم يكن التحدي الرئيسي محصورًا بكفاءة الأنظمة الدفاعية بقدر ما كان مرتبطًا بقدرة المخزونات على تحمّل الاستنزاف المستمر. وتشير التقديرات إلى استهلاك أكثر من ألف صاروخ اعتراض من منظومة Patriot ومئات الصواريخ من منظومة THAAD، فيما تحدثت تقارير عن تراجع حاد في مخزونات بعض الدول الخليجية خلال المراحل الأولى من الحرب.
لا شك أن هذه الحرب عالية الكثافة أبرزت معضلة أمنية واقتصادية كبيرة تتمثل في كيفية إدامة القدرات العسكرية خلال مواجهات طويلة قد تحمل مفاجآت غير متوقعة. وهذا يفرض إعادة النظر في طبيعة التخطيط للحملات والحروب الشاملة، وإعادة تعريف العلاقة بين الأهداف العسكرية والتأثير الميداني من جهة، والأهداف السياسية والحالة النهائية المرجوة من جهة أخرى.
كما أن خطط الطوارئ يجب ألا تقتصر على التعديلات والإجراءات الميدانية، بل ينبغي أن تأخذ في الاعتبار احتمالات إطالة أمد الحرب واعتماد الخصوم على استراتيجيات الاستنزاف. لقد كانت هذه الحرب درسًا مهمًا كشف عن تحول جذري في مفهوم الدفاع الجوي الحديث؛ فلم تعد المواجهة محصورة بين الصاروخ ووسيلة الاعتراض، بل أصبحت قدرة الدول على الحفاظ على المخزونات الصناعية وإنتاج الذخائر وتعويض الخسائر عاملًا حاسمًا لا يقل أهمية عن كفاءة الرادارات ودقة منظومات الاعتراض.
العقيد الركن م. ظافر مراد – الدفاع العربي
