أمن وسلاح

تصاعد الإنفاق العسكري العالمي: التحول نحو تعددية التسلح وإعادة تشكيل النظام الدولي

يخلص تقرير حالة التسلح العالم للعام 2025، الصادر عن معهد ستوكولهم لأبحاث السلام (SIPRI) إلى أن العالم يتجه نحو نظام دولي أكثر تسلحاً، متعدد المراكز، وأقل قابلية للضبط؛ حيث يعاد تشكيل التوازنات العالمية، ويتصاعد التنافس الاستراتيجي، إضافة إلى انتقال الأمن من إطار دولي إلى أطر إقليمية متشابكة. وفي ضوء هذه النتائج يتعين على صناع القرار حول العالم إدارة هذا التحول دون الانزلاق إلى سباقات تسلح غير قابلة للسيطرة. 

ويشير التقرير الصادر في نهاية شهر إبريل 2026، إلى أن الإنفاق العسكري العالمي وصل إلى نحو 2.887 تريليون دولار في عام 2025، مسجلاً زيادة بنسبة 2.9% مقارنة بعام 2024؛ وهو العام الحادي عشر على التوالي من النمو.

ورغم أن هذه الزيادة أقل من القفزة الكبيرة في 2024 (9.7%)؛ فإنها تعكس استمرار الاتجاه البنيوي نحو إعادة التسلح العالمي وليس تباطؤاً حقيقياً، والانخفاض النسبي في وتيرة النمو لا يعكس تهدئة التوترات؛ بل يرتبط أساساً بتراجع مؤقت في الإنفاق الأمريكي، في حين أن بقية العالم شهدت نمواً فعلياً بنسبة 9.2%.

ويمكن استعراض أبرز مؤشرات التقرير فيما يلي: 

1. التحول الجغرافي للإنفاق.. من الهيمنة الأمريكية إلى التعدد القطبي العسكري

أشار التقرير إلى أن انخفاض الإنفاق الأمريكي في 2025 كان العامل الرئيسي وراء تباطؤ النمو العالمي، لكن في المقابل ارتفع الإنفاق العالمي بنسبة 9.2%، وهو ما يعكس انتقالاً تدريجياً من نظام عسكري أحادي القطبية إلى نظام تعددي قائم على مراكز إنفاق إقليمية.

• إعادة توزيع مراكز القوة العسكرية عالمياً

– الولايات المتحدة: انخفاض الإنفاق الأمريكي في 2025 وتراجع الدور النسبي للولايات المتحدة في دفع النمو؛ يعنى تراجع “المحرك الأحادي” لصالح تعددية عسكرية فعلية.

– أوروبا: ارتفاع الإنفاق بنسبة 14% مدفوعاً بالحرب في أوكرانيا وتزايد التهديدات الأمنية؛ وهذا أعلى مستوى تاريخي منذ نهاية الحرب الباردة.

– آسيا وأوقيانوسيا: زيادة الإنفاق بنسبة 8.1%؛ ما يعنى صعود آسيا كمركز ثقل عسكري مع استمرار النمو الصيني لعقود متتالية وتوسع الإنفاق في اليابان وتايوان.

– الشرق الأوسط: نمو هامشي بنسبة 0.1% ووجود تباين بين دول خفضت الإنفاق وأخرى زادته؛ ما يشير إلى أن المنطقة تشهد إعادة توزيع داخلية للإنفاق وليس تراجعاً في التوترات.

وتعكس عملية إعادة التوزيع هذه تحولاً استراتيجياً يتمثل في:

– تراجع اعتماد الدول الأوروبية والآسيوية على المظلة الأمنية الأمريكية مدفوعاً بعدم اليقين بشأن التزام واشنطن طويل المدى، خاصة في ظل سياسات أكثر انعزالية.

– صعود نماذج “التسلح الإقليمي” فالإنفاق لم يعد عالمياً بقيادة قوة واحدة؛ بل أصبح إقليمياً مدفوعاً بتهديدات محددة مثل (تأثر أوروبا بالحرب في أوكرانيا- وشرق آسيا بالتنافس الصيني الأمريكي، وجنوب آسيا بالتوازن الهندي الباكستاني).

2. أوروبا وعودة الجغرافيا السياسية الصلبة

يظهر تقرير (SIPRI) أن أوروبا أصبحت المحرك الرئيسي للزيادة العالمية، وارتفاع الإنفاق في القارة بنسبة 14% ليصل إلى 864 مليار دولار. فقد أنفق أعضاء الناتو الأوروبيون 559 مليار دولار أمريكي إجمالاً، واستحوذت دول أوروبا على 30% من الإنفاق العسكري العالمي عام 2025، وترتبط هذه الزيادة بعدة عوامل، وهي: استمرار الحرب في أوكرانيا، والإدراك المتزايد للتهديد الروسي، والالتزامات المتصاعدة داخل حلف الناتو.

وقد بلغ الإنفاق العسكري لأعضاء حلف الناتو البالغ عددهم 32 عضواً 1581 مليار دولار أمريكي في عام 2025؛ أي ما يعادل 55% من الإنفاق العالمي. ومن بين أعضاء الناتو البالغ عددهم 32 عضواً، أنفق 23 عضواً ما لا يقل عن 2% من ناتجهم المحلي الإجمالي على جيوشهم في عام 2025، وهذا يعكس أن هذه الزيادة ليست ظرفية أو مجرد استجابة مؤقتة للأزمة الأوكرانية؛ بل تحول نحو إعادة بناء القدرات العسكرية الأوروبية بشكل مستدام، وأيضاً تحول في الثقافة الاستراتيجية الأوروبية من الردع إلى الجاهزية القتالية، وترسيخ مفهوم “الحرب طويلة الأمد” في التخطيط الدفاعي، وتحول الناتو من تحالف ردعي إلى تحالف تعبئة عسكرية نشطة.

فمثلاً في عام 2025، احتلت ألمانيا المرتبة الرابعة عالمياً من حيث الإنفاق العسكري؛ حيث بلغ إنفاقها العسكري 114 مليار دولار، وشهدت زيادة سنوية بنسبة 24%؛ مسجلة بذلك العام الثالث على التوالي من النمو بنسبة مئوية من رقمين في الإنفاق العسكري الألماني. 

وقد بلغت النفقات العسكرية الألمانية 2.0% من الناتج المحلي الإجمالي؛ أي بنسبة 2.3%، وذلك للمرة الأولى منذ عام 1990. وقد تعهدت ألمانيا بالوصول إلى 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2029، ولتمويل هذه النفقات؛ وسعت الحكومة الألمانية نطاق استخدام آليات خارج الميزانية للالتفاف على القيود المفروضة على الدين العام والعجز في ظل سياستها طويلة الأمد للتقشف المالي. 

ولعل أبرز الإصلاحات التي أُدخلت على الإطار المالي الألماني في عام 2025 هو استبعاد الإنفاق العسكري الذي يتجاوز 1.0% من الناتج المحلي الإجمالي مما يعرف بـ”مكبح الدين”، الذي يحد من عجز الموازنة الحكومية إلى 0.35% من الناتج المحلي الإجمالي؛ وهذا يسمح للحكومة الألمانية بتمويل الإنفاق العسكري عن طريق الاقتراض.

3. آسيا وسباق تسلح استراتيجي طويل المدى

زيادة الإنفاق العسكرى في آسيا بنسبة 8.1% في عام 2025 ليصل إلى 681 مليار دولار؛ حيث استحوذ على 24% من الإنفاق العسكري العالمي، وقد واصلت الصين زيادة الإنفاق للعام الـ31 على التوالي، في حين حققت اليابان أعلى نسبة إنفاق منذ 1958، كما حققت تايوان أكبر زيادة منذ عقود؛ وتعكس هذه المؤشرات تحول آسيا إلى مركز الثقل العسكري العالمي القادم؛ حيث إن:

• التنافس لم يعد اقتصادياً فقط، بل أصبح عسكرياً تكنولوجياً.

• الاستعداد لصراع محتمل حول تايوان أو بحر الصين الجنوبي.

 دمج الإنفاق العسكري مع استراتيجيات التصنيع الدفاعي المحلي.

ويوضح تقرير (SIPRI) أن هذا النمو ليس رد فعل قصير الأمد؛ بل جزءاً من سباق تسلح استراتيجي طويل المدى، ويشير إلى أن المنطقة تتجه نحو تحول تدريجي إلى المسرح الرئيسي للتوازنات العسكرية العالمية.

4. الأمريكتان وتراجع نسبي في الزخم 

انخفاض الإنفاق الأمريكي أسهم في تباطؤ النمو العالمي؛ وهو ما يعني أن الولايات المتحدة ما تزال الأكثر إنفاقاً؛ حيث استحوذت دول الأمريكتين على 37% من الإنفاق العسكري العالمي وتحتل المرتبة الأولى بين الدول الخمس الأكثر إنفاقاً في عام 2025؛ ولكنها لم تعد المحرك الوحيد للاتجاهات العالمية؛ وهذه بداية انتقال النظام العسكري من الهيمنة الأحادية إلى التعددية.

5. الديناميكيات المعقدة في الشرق الأوسط 

شهدت منطقة الشرق الأوسط زيادة هامشية بنسبة 0.1% فقط، واستحوذت دول الشرق الأوسط على 7.6% من الإنفاق العسكري العالمي في عام 2025؛ وهو ما يعكس استقراراً ظاهرياً، ويفسر ذلك بسبب:

 انخفاض الإنفاق في بعض الدول مثل إسرائيل بعد تهدئة حرب غزة.

• استمرار زيادات الإنفاق في دول مثل تركيا والسعودية.

• تراجع إيران بسبب الضغوط الاقتصادية، رغم استمرار الإنفاق غير الرسمي.

وهذا يعكس أن هناك حالة من إعادة التوازن الداخلي في أنماط الإنفاق، وليس تراجعاً في الأهمية العسكرية للمنطقة؛ حيث إن التوترات في المنطقة ما تزال قائمة؛ لكن ترجمتها المالية تمر بمرحلة إعادة ضبط.

6. أنماط الإنفاق.. من الكم إلى الاستدامة

أحد الاستنتاجات المهمة في التقرير هو أن الزيادات الحالية لا تتعلق فقط بحجم الإنفاق؛ بل بطبيعته؛ حيث توجه نحو الاستثمار طويل الأجل في القدرات العسكرية، والتحديث العسكري، والتركيز على الاستعداد لصراعات ممتدة؛ وهو ما يشير إلى انتقال من إنفاق مرتبط بالأزمات إلى إنفاق هيكلي مدمج في السياسات الوطنية.

7. التحديات 

من أهم التحديات التي أشار إليها التقرير:

• ارتفاع مخاطر سوء التقدير الاستراتيجي.

• تزايد احتمالات نزاعات إقليمية متزامنة.

 وجود ضغط متزايد على الموارد الاقتصادية للدول.

• صعوبة إدارة الأزمات في ظل تعدد الفاعلين العسكريين.

التوصيات

أوصى التقرير بتعزيز آليات الشفافية العسكرية عن طريق دعم مبادرات الإفصاح عن الإنفاق العسكري، وتقليل فجوة الثقة بين الدول، وإحياء مسارات ضبط التسلح عن طريق تطوير أطر جديدة تتناسب مع التعددية الحالية وتوسيع نطاق الاتفاقيات لتشمل قوى إقليمية صاعدة، إضافة إلى موازنة الإنفاق العسكري مع التنمية؛ بمعنى تجنب الإفراط في التسلح على حساب الاستقرار الاقتصادي وإدماج الإنفاق الدفاعي ضمن استراتيجيات تنموية مستدامة. ودعم آليات الأمن الإقليمي وتعزيز أطر التعاون الإقليمي وتقليل الاعتماد على التصعيد العسكري كأداة ردع.

مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة