لماذا تهيمن العقول المهاجرة على شركات التقنية؟
حسب تقارير اقتصادية حديثة، يظهر أثر المهاجرين بوضوح في منظومة ريادة الأعمال الأمريكية، خصوصا في الشركات الناشئة سريعة النمو، فإحدى الدراسات التي نشرتها صحيفة “وول ستريت جورنال” تشير إلى أن أكثر من نصف الشركات الأمريكية الناشئة التي وصلت لتقييم تجاوز المليار دولار كان من بين مؤسسيها مهاجرون أو جميعهم كذلك.
ومع أن المناخ الأمريكي اليوم تجاه الهجرة لم يعد بالترحيب نفسه كما كان في مراحل سابقة، فإن حديثي هنا هو عن أثر السياسات التي فتحت الباب في الماضي أمام استقطاب المواهب، وكيف انعكست نتائجها على الاقتصاد والابتكار عبر الزمن حتى يومنا هذا.
ساتيا نادالا رئيس شركة مايكروسوفت ونظيره سوندار بوتشاي رئيس شركة غوغل يتشاركان في الخلفية نفسها، عاشا في الهند لعائلات متواضعة لكن طموحاتهما أخذتهما بعيدا ليصعدا هرم النجاح نحو القمة. وكذلك تجربة إيلون ماسك القادم من جنوب أفريقيا؛ الذي بدأ رحلته من خارج الولايات المتحدة، ثم أصبح أحد أكثر الأسماء تأثيرا في موجة الابتكار الحديثة عبر شركات مثل “سبيس إكس” و”تسلا”.
هؤلاء نماذج لقادة بدؤوا حياتهم خارج الولايات المتحدة ثم وصلوا إلى موقع القيادة بشركات عالمية، في قصة تختصر معنى “الفرصة” عندما تدار بنظام يرحب بالموهبة ويمنحها مساحة للإنجاز، وغيرهم كثير ممن لهم حضور متنامٍ وبارز في معظم القطاعات التجارية في أمريكا، من التقنية والمال والصناعة وريادة الأعمال.
ومن زاوية إدارية بحتة، قد تنتج تجارب الهجرة تحديا من نوع خاص يتمثل في إعادة بناء الذات، مما يصنع نوعا من المرونة النفسية ووضوح الهدف، وهو ما ينعكس أحيانا على أسلوب قيادة المهاجرين. يظهر ذلك عبر تركيز أعلى على النتائج، وحساسية أكبر لصوت العميل، واستعداد أسرع للتكيف مع المتغيرات المستمرة.
الدول الأقدر على صناعة نهضتها هي التي تحسن اكتشاف الكفاءات واحتضانها أينما ولدت وأيا كانت حكايتها وتجربتها، ومن ثم تمنحها بيئة متكاملة ومسارا واضحا، فتتحول من طاقة كامنة إلى قيمة مضافة
مايكروسوفت على سبيل المثال أنهت حقبة الحرب التنافسية الحادة مع شركة آبل بعد تعيين الهندي المهاجر ساتيا نادالا خلفا لستيف بالمر، حيث أعلن عن سلسلة قرارات فورية لتخفيف حدة النزاع مع آبل في قضايا الحقوق الفكرية وغيرها، ثم عمل على نقل إستراتيجية مايكروسوفت إلى تطوير المنتج وبناء الشراكات والتركيز على تجربة المستخدم دون الاكتراث كثيرا بالمنافسين.
نفسيا، تجد أن تجارب الهجرة والبداية من الصفر تمنح القادة رؤية خارج حدود المنطق التقليدي، فلديهم الشغف المستمر على تجاوز كل الحدود وهو ما لا يملكه الإنسان صاحب الظروف الطبيعية السهلة في نشأته وتربيته وحياته، فالنجاح لديه هو نمط حياة تقليدي يصله عبر طريق معتاد ومحدد مسبقا على الأغلب.
وهذا ما يجعل المدير المهاجر يتفوق إداريا في بناء وقيادة الشركات الكبرى “التقنية تحديدا” التي تحتاج إلى مخاطرة دائمة وشغف متواصل وثورة فكرية متجددة تواكب رغبة العميل، فالبقاء للأذكى وليس الأقوى أو الأغنى.
ختاما؛ أعتقد أن الدول الأقدر على صناعة نهضتها هي التي تحسن اكتشاف الكفاءات واحتضانها أينما ولدت وأيا كانت حكايتها وتجربتها، ومن ثم تمنحها بيئة متكاملة ومسارا واضحا، فتتحول من طاقة كامنة إلى قيمة مضافة، ومن نجاح فردي إلى نجاح مستدام يترك أثرا حقيقيا في حركة الاقتصاد ويثري المجتمع.
بلال البدري – الجزيرة
