أمن وسلاح

رفاق في السلاح.. تاريخ العلاقات العسكرية التركية-الأميركية

  • مراجعة لكتاب كيليش بوغرا كانات وأوزان أحمد جتين بعنوان «حلفاء في السلاح: العلاقات الدفاعية التركية–الأميركية»، الذي يتتبع تاريخ الشراكة الدفاعية بين أنقرة وواشنطن منذ الحرب الباردة وحتى اليوم، ويشرح كيف أسهمت برامج التسليح الأميركية، من مقاتلات F-16 إلى F-35، في بناء الصناعات الدفاعية التركية، وفي الوقت نفسه أبقت تركيا مرتبطة تكنولوجياً واستراتيجياً بحلفائها الغربيين.

في شهر كانون الأول/ديسمبر الماضي، أعلن سفير الولايات المتحدة في تركيا، توم باراك، أن المناقشات بين بلاده وأنقرة بشأن عودة الأخيرة إلى برنامج تطوير مقاتلات F-35، لا تزال مستمرة. لم تكن تصريحات باراك وحدها ما كشفت عن المحادثات، ففي خلال الأشهر التالية، أعرب أردوغان وترامب عن نيتهما استئناف المباحثات بشأن تلك المسألة، في ظل رغبة كِلا البلدين في المضي قدماً نحو تعزيز شراكاتهما الدفاعية. وكانت تركيا قد أُقصيت من البرنامج عام 2019، عقب شرائها منظومة الدفاع الجوي الروسية S-400، الأمر الذي عرّضها لانتقادات حادة من شركائها داخل حلف شمال الأطلسي، وانتهى بإقصائها من برنامج تطوير مقاتلات F-35، إلى جانب تعليق صفقة مفترضة لشراء مقاتلات F-16 من واشنطن.

في الواقع، تمثّل العودة إلى برنامج مقاتلات F-35 أهمية قصوى بالنسبة إلى تركيا، التي تعاني من تراجع ملحوظ في قدرات سلاحها الجوي نتيجة تقادم جزء كبير من أسطول مقاتلاتها. ويشير التقرير الذي أصدرته الأكاديمية الوطنية للاستخبارات التركية في آب/أغسطس الماضي، بعنوان «حرب الاثني عشر يوماً: الدروس المستفادة»، إلى ضرورة تحديث أنقرة لسلاحها الجوي، بالتوازي مع امتلاكها أنظمة دفاع جوي متقدّمة، بعد أن أثبتت الحرب الإسرائيلية على إيران الدور الحاسم الذي يؤدّيه سلاح الجو، لا سيما في ظل التفوق الجوي الواضح الذي يتمتع به سلاح الجو الإسرائيلي، والذي تمثل مقاتلات F-16 وF-35 الأميركية عماد قواته.

في المقابل، تسعى واشنطن للاستفادة من الخبرات التركية المتقدمة في مجال صناعة المسيّرات، إذ تستحوذ أنقرة على نصف صادرات المسيّرات متوسطة الارتفاع في العالم، متفوقة على الصين والولايات المتحدة. ذلك التفوق التركي الذي دفع الرئيس التنفيذي لشركة «جنرال أتوميكس» الأميركية التي تشتهر بتصنيعها لسلسلة الطائرات المسيرة MQ-9، إلى إرسال خطاب إلى إيلون ماسك – الذي كان يشغل منصباً في الحكومة الأميركية آنذاك – يستحثه فيه على ضرورة اتخاذ خطوات جادة لتطوير قطاع المسيّرات، في ظل المنافسة الشديدة التي تلقاها الولايات المتحدة من الصين وتركيا وإسرائيل في السنوات الأخيرة. 

وتقودنا تلك الوقائع التي تتقلب بين التعاون والتنافس بين واشنطن وأنقرة إلى البحث في جذور تلك العلاقة وتاريخ نشأتها، والتطورات والمنعطفات التي مرت بها خلال العقود الماضية، وهي المهمة التي قام بها الباحثان كيليش بوغرا كانات وأوزان أحمد جتين في كتابهم Allies in Arms: Turkish-American Defense Relations (حلفاء في السلاح: العلاقات الدفاعية التركية-الأميركية) الصادر عن دار Palgrave Macmillan عام 2025. 

صداقة لدودة

حظيت تركيا بأهمّية استراتيجية كبيرة بالنسبة إلى الولايات المتّحدة وحلفائها خلال الحرب الباردة، إذ مثّلت نقطة استخباراتية متقدّمة في مواجهة السوفيات، ومعبراً برياً وبحرياً إليهم، فضلاً عن تحكّمها في مضيقي البوسفور والدردنيل، وموقعها الجغرافي الذي شكّل حاجزاً بين الاتحاد السوفياتي وحلفاء واشنطن في الخليج. وقد تجلّت هذه الأهمّية في حجم الدعم الذي تلقّته أنقرة من واشنطن، إذ جرى ضمّها إلى خطة مارشال، كما تولّت الولايات المتحدة عبء تطوير القدرات العسكرية التركية، عبر تخصيص أكبر بعثاتها العسكرية آنذاك، والتي ضمّت نحو 1,200 فرد، للمساعدة في تحديث الجيش والبحرية وسلاح الجو التركي. وإلى جانب ذلك، تلقت أنقرة ما يقارب مليار دولار في صورة أسلحة ومعدات عسكرية بين عامي 1950-1954.

تاريخ العلاقات العسكرية التركية-الأميركية:  رفاق في السلاح

تركت تقلبات عقدَي الستينيات والسبعينيات بصماتها على العلاقة بين البلدين، إذ ترسّخ لدى النخب التركية في الثمانينات، ضرورة تبنّي مسارين متوازيين لتعزيز قدرات بلادهم العسكرية. يقوم المسار الأول على الاستفادة من الشراكة الاستراتيجية مع واشنطن، من خلال الحصول على الدعم العسكري، إلى جانب نقل الخبرات والتكنولوجيا الأميركية إلى الصناعات الدفاعية التركية الناشئة. أما المسار الثاني فيستند إلى تطوير الصناعات الدفاعية المحلية بهدف تحقيق قدر من الاستقلال الاستراتيجي النسبي. وتصدقياً لذلك النهج المزدوج؛ وقّعت أنقرة، في عهد رئيس الوزراء تورغوت أوزال، اتفاقية تعاون مع واشنطن تقضي بانضمام تركيا إلى برنامج تصنيع مقاتلات F-16 على أراضيها. وبالتوازي أنشأت «مؤسسة تعزيز القوات المسلحة التركية-TSKGV» في حزيران/يونيو 1987، بموجب القرار رقم 3,388، وذلك عبر دمج عدد من الصناديق والمؤسسات المعنية بتعزيز القدرات العسكرية التركية تحت مظلة واحدة لدعم الصناعات الدفاعية. كما شهدت تلك الفترة تأسيس عدد من شركات الصناعات الدفاعية المهمة، التي شكّلت قاعدة الصناعات الدفاعية التركية فيما بعد، مثل توساش (1973)، أسيلسان (1975)، هافيلسان (1982)، روكيستان (1988).

ويمكننا القول إنّ الثمانينيات شهدت ذروة التقارب بين واشنطن وأنقرة، على وقع التطورات السياسية في كلٍّ من إيران وأفغانستان، التي أعادت الاعتبار لأهمية تركيا داخل حلف شمال الأطلسي. وقد انعكست تلك التطورات على العلاقات الدفاعية بين البلدين، التي لم تتوقف عند تزويد تركيا بصفقة مقاتلات F-16، التي كانت مخصّصة لإيران بالأساس، بل شملت أيضاً ضمّ أنقرة إلى برنامج إنتاج هذه المقاتلات، إلى جانب مساعدتها في بناء قدراتها على تصنيع أجزاء من مقاتلات فانتوم F-4 الأميركية. غير أنّه، ومع بلوغ منتصف التسعينيات، بدا أن العلاقات بين أنقرة وحلفائها في واشنطن وحلف شمال الأطلسي تتجه إلى الخفوت مرة أخرى. فبعد زوال الخطر السوفياتي، أُعيد تقييم الأهمية الجيوسياسية لتركيا على وقع تلك المتغيرات، كما جرى ربط جزء من الصفقات والمساعدات العسكرية المقدَّمة لأنقرة بتحسين ملف حقوق الإنسان.

بيد أنّ تطوراً مهماً حدث لاحقاً خلال التسعينيات، تمثّل في التقارب الأمني بين أنقرة وتل أبيب، إذ رأت تركيا في تعاونها مع الأخيرة فرصةً لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية في آنٍ واحد، تمثّلت في الاستفادة من التكنولوجيا الإسرائيلية الملتزمة بالمعايير الأوروبية والأميركية لدعم صناعتها الدفاعية الناشئة، فضلاً عن الإفادة من الدعم السياسي للوبي الصهيوني في واشنطن لمواجهة الضغوط اليونانية-الأرمينية. وقد ساهمت تلك الشراكة في تعزيز التعاون العسكري بين تركيا وإسرائيل، إذ ساعدت الأخيرة أنقرة في تطوير مخزونها من الأسلحة الأميركية، مثل مروحيات كوبرا ودبابات M60 الأميركية الصنع. إلا أنّ الثمرة الأبرز لذلك التحالف تمثّلت في صفقة تحديث قاذفات فانتوم F-4E بقيمة 650 مليون دولار، والتي منحت تلك الشراكة لقب «تحالف الفانتوم».1

شركاء في السلاح: من F-16  إلى F-35

تركت التوجهات الليبرالية لرئيس الوزراء تورغوت أوزال في الثمانينبات، بصمتها الواضحة على هيكل الصناعات الدفاعية التركية؛ إذ أنشأ عام 1985 هيئة الصناعات الدفاعية، التي تكوّن طاقمها من موظفين مدنيين حصراً، وأوكل إليها مسؤوليات التخطيط الاستراتيجي، وتنسيق وتعزيز جهود البحث والتطوير، وتشجيع صادرات الصناعات الدفاعية ودعمها. ولتكريس استقلالها المؤسسي عن القوات المسلحة، كانت الهيئة تتلقى توجيهاتها من اللجنة التنفيذية للصناعات الدفاعية التي كان يرأسها رئيس الوزراء شخصياً. واستهدفت هذه الإصلاحات الإدارية تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص للاستثمار في القطاع الدفاعي، والتعاون مع الشركات والمؤسسات الأجنبية بما يسهم في تطوير القدرات الصناعية والتكنولوجية المحلية. وقد تُوّجت تلك المساعي بانضمام تركيا إلى برنامج تطوير مقاتلات F-16 Fighting Falcon الأميركية، وهي الخطوة التي كان لها أثرٌ بالغٌ في تعزيز العلاقات الاستراتيجية بين أنقرة وواشنطن، خصوصاً على مستوى الشراكة الدفاعية التي شكّلت على الدوام مرآة لطبيعة العلاقات بين البلدين. وجرى الترويج داخلياً لهذا الانضمام بوصفه إنجازاً سياسياً مهماً لحكومة تورغوت أوزال وحزبه الحاكم. 2

والواقع أن ترشيح أنقرة للحصول على هذه المقاتلات، سبقَ انضمامها الرسمي إلى البرنامج بسنوات؛ إذ كشفت مذكرة صادرة عن الكونغرس الأميركي عام 1977 عن إدراج تركيا، إلى جانب إيران وإسرائيل، ضمن الدول المرشحة مستقبلاً لاقتناء مقاتلات F-16، وذلك على الرغم من استمرار حظر تصدير الأسلحة المفروض عليها آنذاك، والذي رُفع بعد عام واحد فقط. ويعكس هذا الترشيح المبكر الأهمية التي أولتها الولايات المتحدة لتحديث القدرات الجوية التركية خلال مرحلة الحرب الباردة، حيث برّر المسؤولون الأميركيون ذلك بضرورة تعزيز الحدود الجنوبية لحلف شمال الأطلسي في مواجهة الاتحاد السوفياتي. وفي المقابل، روّج صانعو القرار في أنقرة لفكرة أن الحفاظ على علاقات عسكرية وثيقة مع واشنطن يمثل ضرورة استراتيجية لتطوير القدرات القتالية التركية وتعزيز موقع البلاد في مواجهة التحديات الإقليمية، ولا سيما التوترات المستمرة مع اليونان وقبرص.

وانسجاماً مع هذا التوجه، أعلنت وزارة الدفاع التركية في أيلول/سبتمبر 1983 إبرام اتفاقية مع شركة «جنرال دينميكس» الأميركية بقيمة 4 مليارات دولار للحصول على 160 مقاتلة F-16 Falcon. وكانت بنود الصفقة، التي مثّلت نحو 40% من الميزانية التركية آنذاك، تنص على أن تدفع تركيا مليار دولار، فيما يتم تغطية باقي المبلغ عبر منح وتسهيلات ائتمانية أميركية. وقد أسهمت هذه الصفقة، التي مثّلت عملياً إعلان انضمام تركيا إلى برنامج تطوير الـF-16 إلى جانب بلجيكا وهولندا والدنمارك والنرويج؛ في تعزيز قدراتها الصناعية العسكرية بصورة كبيرة، إذ مكّنها هذا التعاون من توطين بعض جوانب التكنولوجيا المتقدمة والمشاركة في عمليات البحث والتطوير، فضلاً عن دمجها فيما يمكن وصفه بـ«سلاسل إمداد الصناعات العسكرية»، من خلال مشاركتها مع عددٍ من الدول في عمليات التجميع وإنتاج المكوّنات. وكجزء من تلك الاتفاقية التي كُشفت تفاصيلها لاحقاً، سيتم ضخ استثمارات قُدّرت بنحو 1.5 مليار دولار للاستثمار في البنية التكنولوجية للمشروع، شملت إنشاء شراكة بين «جنرال دينميكس» والحكومة التركية لإنشاء مصنع لتصنيع قطع غيار الطائرات، وأخرى للأجزاء للمتقدمة مثل محركات F-110 ورادارات وستنغهاوس المستخدمة في مقاتلات F-16. 

أثمرت تلك الجهود عن حصول تركيا على أولى مقاتلاتها من طراز F-16 في آذار/مارس 1987، ضمن خطة لإنتاج 160 طائرة خلال 6 سنوات. وبالفعل، تمكنت تركيا من رفع وتيرة الإنتاج من طائرة واحدة شهرياً في بداية البرنامج إلى نحو 4 طائرات شهرياً بحلول نهاية عام 1990. ويبدو أن هذا الإنجاز دفع أنقرة إلى التفكير في التوجه نحو التصدير. وقد كانت مصر في مقدمة الدول التي حصلت على مقاتلات F-16 التي جرى تجميعها في تركيا، إذ شملت الصفقة المقدّرة بنحو 1.3 مليار دولار، شراء 46 مقاتلة من طراز F-16C/D Block 40، وذلك في إطار اتفاقية الدعم العسكري بين واشنطن والقاهرة، والتي جاءت ضمن مسار التعاون العسكري الممتد بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد. وقد تولّت الولايات المتحدة رعاية الصفقة، وتسلّمت القاهرة أولى هذه الطائرات في مطلع عام 1994.

تاريخ العلاقات العسكرية التركية-الأميركية:  رفاق في السلاح

في عام 2005، تنازلت شركتا «لوكهيد مارتن» و«جنرال إلكتريك» عن حصتيهما البالغتين 42% و7% على التوالي من مشروع تطوير مقاتلات F-16 في تركيا لصالح شركة «توساش»، التي عملت بالتعاون مع الحكومة التركية على تحديث أسطول مقاتلاتها. وبالتزامن مع ذلك، بدأت «لوكهيد مارتن»، بالتعاون مع الحكومة الأميركية، مشروعها الضخم لتطوير مقاتلات F-35، الذي قُدّرت استثماراته الإجمالية بنحو تريليوني دولار طوال عمر البرنامج، وذلك بالشراكة مع دول عدة. وكان من المفترض أن تنضم تركيا إلى المشروع، بعد أن تخصّصت في إنتاج بعض أجزاء مقاتلات F-16، وأصبحت تؤدي دوراً مهماً ضمن سلاسل إمداد الصناعات العسكرية الأميركية. 

وعلى الرغم من الحماس الذي أبدته تركيا للمشاركة في برنامج تطوير مقاتلات F-35، بدت مشاركتها محدودة، إذ جاءت ضمن الشريحة الرابعة برفقة كلٍّ من سنغافورة وأسرائيل كمشغلين محتملين، لذا أقتصر دورهم على الوصول إلى بيانات ومعلومات تقنية محددة. ومع أن تركيا أبدت استعدادها للمشاركة في عملية التصميم والتصنيع للأجزاء الرئيسية للطائرة، من خلال الاستحواذ على 5% من تلك العملية، فضلاً عن استثمارها مبلغ 175 مليون دولار لترقية دورها في البرنامج والوصول إلي المزيد من المعرفة التكنولوجيا الهندسية؛ إلا أنه لم يضمن لتركيا حصولها على المقاتلة الجديدة مثل برنامج مقاتلات F-16 السابق. لم يثنِ ذلك أنقرة التي رأت في انضمامها للبرنامج فوائد عدة لصناعتها الدفاعية. وفي عام 2006، وقّعت شركة AYESAŞ التركية أتفاقيةً مع Smiths Aerospace البريطانية، لتصنيع بعض مكونات وحدة الربط البعيد للمنظومة الصاروخية (MRIU) المستخدمة في مقاتلات F-35.

وفي عام 2007، بدأت الجهود التركية تؤتي ثمارها، حيث وقّعت أنقرة مذكرة تفاهم مع وزارة الدفاع الأميركية لتعزيز التعاون بين البلدين في تطوير برنامج مقاتلات F-35. وتعهّدت تركيا، بموجب هذه المذكرة، بزيادة استثماراتها في البرنامج، بما يتيح لها إنشاء مراكز لتجميع هياكل مقاتلات F-35 على أراضيها. وفي السياق نفسه، وقّعت شركة «كاله غروب» التركية اتفاقية تعاون مع شركة «برات آند ويتني» الأميركية لتصنيع أجزاء من محرك F-135 المستخدم في مقاتلات F-35. وفي عام 2015، وقّعت شركتا «روكيتسان» و«لوكهيد مارتن» اتفاقية تعاون لدمج صواريخ SOM-J التركية في مقاتلات F-35 Lightning II. وفي تتويج لهذه الشراكة الدفاعية، أعلنت أنقرة، في العام نفسه، نيتها شراء 100 مقاتلة F-35 ضمن خطة لتحديث أسطولها الجوي، عبر إحلال مقاتلات F-35 محل مقاتلات F-16 المتقادمة، في صفقة تراوحت قيمتها بين 10 مليار و14 مليار دولار على مدى 20 عاماً.

لكن هذه الخطى التركية المتسارعة سُرعان ما كُبحت على وقع الأزمة الدبلوماسية بين البلدين خلال عامي 2016 و2017، بالتزامن مع تطور العلاقات بين أنقرة وموسكو، والتي عرضت على أنقرة الحصول على منظومة الدفاع الجوي الروسية المتطورة S-400، شمل العرض تسهيلات مالية وتبادل للمعلومات التقنية. والواقع أن تركيا، التي سعت إلى امتلاك نظام دفاع جوي متقدم لتعزيز التكامل ضمن استراتيجيتها للردع، كانت قد حاولت في السابق الحصول على منظومة باتريوت الأميركية مع نقل جزئي للتكنولوجيا، إلا أن هذه الرغبة قوبلت بالرفض من الإدارات الأميركية المتعاقبة أكثر من مرة. وعلى أثر ذلك، اتجهت أنقرة عام 2013 نحو الصين للتفاوض على امتلاك منظومة HQ-9، قبل أن تتراجع عن الصفقة عام 2015 تحت ضغوط أميركية وأطلسية. لكن التوجه لاحقاً نحو منظومة S-400، وضع تركيا في مواجهة مباشرة مع حلفائها الغربيين، إذ برزت تساؤلات عن كيفية التوفيق بين تشغيل مقاتلات F-35، المعتمدة أساساً على تكنولوجيا أميركية شديدة الحساسية، ومنظومة S-400 الروسية المصممة بالأساس لرصد تلك التكنولوجيا ومواجهتها، فضلاً عن مدى خطورة هذا التوفيق على البنية الدفاعية لحلف شمال الأطلسي. كان الموعد المحدد لاستلام منظومة S-400 في تموز/يوليو 2019، بالتزامن مع الموعد المفترض لتسلّم أنقرة أولى مقاتلاتها من طراز F-35. غير أن واشنطن أعلنت، في نيسان/أبريل من العام نفسه، تعليق عمليات تسليم مقاتلات F-35 إلى تركيا، تمهيداً لإقصائها وطردها من البرنامج لاحقاً.

قُدِّرت الخسائر المتوقعة للشركات التركية جراء إقصاء أنقرة من برنامج تطوير مقاتلات F-35 Lightning II بنحو 12 مليار دولار في صورة إيرادات مفقودة.3 وفي المقابل، تراوحت الخسائر المتوقعة عن اضطراب سلاسل الإنتاج داخل المشروع بين 500 إلى 600 مليون دولار عام 2019، نتيجة نقل منشآت إنتاج خارج تركيا، بعدما كانت الشركات التركية تستحوذ على ما بين 6% و7% من العملية الإنتاجية. 

تطور الصناعات الدفاعية التركية

في الفصل الأخير من الكتاب، يُقدِّم الباحثان تقييماً للصناعات الدفاعية التركية، التي شهدت نمواً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، لتصبح لاعباً مهماً في بعض مجالات التسليح. ففي عام 2020، لم تكن هناك سوى شركة تركية واحدة ضمن قائمة أكبر 100 شركة مُنتجة للسلاح في العالم، بينما ارتفع العدد إلى 5 شركات بحلول عام 2024، وفقاً لبيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI). وتنشط أغلب هذه الشركات بصورة خاصة في مجال المُسيّرات، إذ اشتهرت أنقرة بمُسيّراتها من طراز «بيرقدار» و«أقنجي». وتتجلى هذه التطورات في النمو الكبير لصادرات الأسلحة التركية، التي بلغت قيمتها 5.5 مليار دولار عام 2023، فضلاً عن توقيع عقود تسلّح بقيمة 10.2 مليار دولار خلال العام نفسه.

تاريخ العلاقات العسكرية التركية-الأميركية:  رفاق في السلاح

وتبرز أنقرة اليوم بوصفها أحد أهم منتجي الطائرات المسيّرة في العالم، مع حصة سوقية آخذة في التوسع باستمرار، مستفيدة من خبراتها العملياتية والتكنولوجية المتراكمة في مجالات الحرب غير المتكافئة ومكافحة التمرد. وفي الواقع، شكّلت التحديات الأمنية المحلية والإقليمية الدافع الرئيسي وراء توجه تركيا نحو تطوير قدراتها في هذا المجال. معتمدةً على نهجها المزدوج، الذي يجمع بين تنمية القدرات الصناعية المحلية بالتوازي مع الاستفادة من التكنولوجيا والخبرات الأجنبية عبر صفقات التسليح والتعاون مع الحلفاء. وفي هذا السياق، شرعت وزارة الدفاع التركية منذ مطلع التسعينيات في استكشاف إمكانات المسيّرات، فخصصت عام 1992 ميزانية بلغت نحو 350 مليون دولار لدعم برنامج تطوير هذه الطائرات. كما حصلت خلال الفترة نفسها على طائرات GNAT-750 وFalcon 600 الأميركية، إضافة إلى طائرات CL-89 الألمانية الصنع، التي استمرت في الخدمة حتى عام 2005. 

تاريخ العلاقات العسكرية التركية-الأميركية:  رفاق في السلاح

أدّت القيود الأميركية والأوروبية على تزويد تركيا بالتكنولوجيا اللازمة لتطوير الطائرات المسيّرة، إلى جانب تأخر بعض صفقات الشراء، إلى دفع أنقرة نحو توسيع تعاونها مع إسرائيل، التي زودتها بطائرات «هيرون» و«سيرشر» و«دوميناتور» المسيّرة. التي مثّلت الدعامة الأساسية للجهود التركية في مكافحة التمرد خلال الفترة 2007-2010. غير أن إسرائيل رفضت بدورها، نقل التكنولوجيا المرتبطة بهذه الأنظمة، الأمر الذي دفع أنقرة إلى تكثيف استثماراتها في تطوير قدراتها المحلية في مجال الطائرات المسيّرة. تُوِّجت هذه الجهود بنجاح شركات تركية، وفي مقدمتها «بايكار»، في إجراء الاختبارات النهائية على طائرات عائلة «بيرقدار» المسيّرة بين عامي 2008 و2014، قبل تسليم أولى طائرات «بيرقدار TB2» إلى القوات المسلحة التركية عام 2014. ومنذ ذلك الحين، أدّت هذه المسيّرات دوراً محورياً في الاستراتيجية العسكرية التركية، لا سيما في عمليات مكافحة التمرد، كما أثبتت فعاليتها في ساحات نزاع أخرى مثل إقليم كاراباخ وليبيا وأوكرانيا. وقد أسهم هذا النجاح في صعود «بايكار» إلى مصاف أبرز الشركات العالمية في مجال صناعة الطائرات المسيّرة، لتعلن عن نفسها كأكبر مُصدِّر للطائرات المسيّرة في العالم، بصادرات بلغت قيمتها 2.2 مليار دولار عام 2025.

دفعت هذه النجاحات تركيا إلى توسيع استثماراتها في تطوير قدراتها الدفاعية المحلية، إذ تسعى أنقرة إلى تطوير جيل جديد من الطائرات المسيّرة، مثل «قزل إلما» و«أنكا-3» و«بيرقدار TB3»، فضلاً عن مشروعها الطموح لتطوير مقاتلة محلية من الجيل الخامس تحمل اسم «قآن». وبالتوازي مع ذلك، عملت تركيا على توسيع حضورها في أسواق السلاح العالمية واستكشاف أسواق جديدة لصادراتها الدفاعية. إذ يشير تقرير «اتجاهات التسلح الدولية 2025» الصادر عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) في آذار/مارس 2026، إلى تضاعف الحصة السوقية لتركيا من صادرات السلاح العالمية من 0.9% خلال الفترة 2016-2020 إلى 1.8% خلال الفترة 2021-2025، كما ارتفعت صادراتها العسكرية بنسبة 122% خلال الفترة نفسها، ما مكّنها من احتلال المرتبة الحادية عشرة بين أكبر مصدّري الأسلحة في العالم. وفي المقابل، تراجعت وارداتها من الأسلحة بنسبة 9.7%، بما يعكس التقدم الذي أحرزته في بناء قاعدة صناعية دفاعية أكثر قدرة على تلبية احتياجاتها العسكرية محلياً.4

تاريخ العلاقات العسكرية التركية-الأميركية:  رفاق في السلاح

وتعكس هذه المؤشرات الطفرة التي شهدتها صناعات الأسلحة التركية خلال العقد الأخير، إذ بلغ عدد الشركات العاملة في القطاع نحو 3,500 شركة عام 2024، موزعة على مختلف فروع الصناعات العسكرية، بينما تجاوز عدد المشروعات الجاري تنفيذها 1,100 مشروع، مع ارتفاع نسبة التوطين إلى 80%. كما وصلت استثمارات البحث والتطوير إلى نحو 3 مليارات دولار، الأمر الذي أسهم في تعزيز القدرة التنافسية للقطاع ورفع قيمة صادراته بنسبة 29% خلال عام 2024 لتبلغ 7.154 مليارات دولار.5

المفارقة الجوهرية

على الرغم من القفزات النوعية التي حققها قطاع الصناعات الدفاعية التركية خلال العقد المنصرم، وما رافقها من تنامٍ في القدرات الدفاعية المحلية بفعل القيود التي فرضها الحلفاء الغربيون على أنقرة، يكشف الكتاب عن مفارقة جوهرية؛ إذ لا تزال تركيا بحاجة إلى هؤلاء الحلفاء أنفسهم لسد ثغرات تكنولوجية وصناعية لم تتمكن بعد من تجاوزها. كما أن تعمّق اندماجها في سلاسل الإمداد الدفاعية الغربية، خصوصاً الأميركية، جعل صناعاتها العسكرية عرضة للتقلبات السياسية والتجاذبات الجيوسياسية. ومن ثمّ، تدرك أنقرة أن التقدم الذي أحرزته في مجال التصنيع العسكري، على أهميته، لا يمنحها القدرة على فك ارتباطها مع حلفائها في حلف شمال الأطلسي، ولا يكفي بمفرده لسد الفجوة التسليحية التي تفصلها عن القوى العسكرية الكبرى داخل الحلف. لذا تسعى جاهدةً للعودة إلى برنامج تطوير مقاتلات F-35، بجانب إحلال وتحديث أسطولها من مقاتلات F-16. فى الوقت نفسه، تعمل على تنويع مصادر تسليحها داخل الحلف عبر الحصول على مقاتلات يوروفايتر تايفون البريطانية، التي تمثل، إلى جانب مقاتلات رافال الفرنسية وغريبن السويدية، أبرز ركائز القوة الجوية الأوروبية. 

مؤلفا الكتاب هما كيليش بوغرا كانات وهو باحث وأستاذ علوم سياسية متخصص في السياسة الخارجية التركية والعلاقات التركية–الأميركية، ومدير الأبحاث في مؤسسة سيتا بواشنطن، وأوزان أحمد جتين هو باحث وأستاذ مساعد في جامعة الدفاع الوطني التركية، متخصص في الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا العسكرية وقضايا الأمن القومي.

مع ذلك، اتسمت العلاقة بين البلدين بالشدّ والجذب بصورة مستمرة. وعلى الرغم من أن تركيا ظلّت حليفاً مهماً للولايات المتحدة حتى بعد انتهاء الحرب الباردة، فضلاً عن كونها عضواً في حلف شمال الأطلسي، وتحظى باهتمام الإدارات الأميركية المختلفة، فإن هناك عدداً من نقاط الخلاف بين البلدين، يأتي في مقدمتها ملف قبرص واليونان. وقد انعكست هذه الخلافات على العلاقات الدفاعية بين واشنطن وأنقرة، إذ بلغت تلك التجاذبات ذروتها عام 1974، عقب إطلاق أنقرة عملية عسكرية في قبرص ضد محاولة الانقلاب المدعومة من اليونان، وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى تعليق المساعدات العسكرية إلى تركيا وفرض حظر على تصدير الأسلحة إليها. وردّت أنقرة بتعليق عمل القواعد الأميركية على أراضيها، باستثناء قاعدة إنجرليك الجوية، التي خُصّصت حصراً لمهام حلف شمال الأطلسي. وعلى الرغم من أن الأزمة لم تستمر طويلاً، إذ سرعان ما عادت العلاقات بين البلدين إلى مسارها الطبيعي عقب توقيع اتفاقية التعاون الدفاعي والاقتصادي المشترك عام 1980، شكّلت الأزمة منعطفاً مهماً في وعي النخب التركية وإدراكها لطبيعة العلاقة مع واشنطن.

محمد نبيل – موقع الصفر