أمن وسلاح

من المساعدات إلى الاعتماد على الذات: ماذا يعني وقف التمويل العسكري الأميركي لـ”إسرائيل”؟

كتب محرر الشؤون الإسرائيلية

لم يكن الحديث عن احتمال وقف المساعدات العسكرية الأميركية لـ”إسرائيل” مجرد تفصيل عابر في السجال السياسي بين واشنطن وتل أبيب. فالمسألة تتصل بأحد أهم أعمدة القوة العسكرية الإسرائيلية، وبعلاقة استراتيجية استمرت عقوداً، جعلت الولايات المتحدة المورد الرئيسي للسلاح والتكنولوجيا العسكرية، فضلاً عن كونها شريكاً أساسياً في تطوير منظومات الدفاع الجوي والصاروخي.

وعندما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن بلاده لن تواصل تقديم المساعدات المالية لـ”إسرائيل” بعد نهاية العام، عاد ملف التمويل العسكري إلى الواجهة، وفتح الباب أمام تساؤلات تتجاوز الخلاف السياسي مع رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو: هل تستطيع “إسرائيل” الاستغناء عن هذا الدعم؟ وما حجم الضرر الذي يمكن أن يلحق بجيشها إذا توقف؟ وهل نحن أمام نهاية فعلية لنظام المساعدات، أم مجرد انتقال إلى صيغة جديدة للعلاقة العسكرية بين الطرفين؟

3.8 مليارات دولار سنوياً… الرقم الثابت الذي لا يعكس الصورة كاملة

تقدم الولايات المتحدة لـ”إسرائيل” مساعدات عسكرية وأمنية سنوية تبلغ، وفق مذكرة التفاهم الممتدة بين عامي 2019 و2028، نحو 3.8 مليارات دولار. ويتوزع هذا المبلغ على 3.3 مليارات دولار ضمن برنامج التمويل العسكري الأجنبي، و500 مليون دولار مخصصة لبرامج الدفاع الصاروخي المشتركة.

لكن هذا الرقم لا يعني أن واشنطن تقدم لتل أبيب مبلغاً نقدياً حراً يمكن إنفاقه كيفما تشاء. فالجزء الأكبر من التمويل مخصص لشراء معدات وأسلحة وخدمات عسكرية أميركية، بما في ذلك الطائرات والذخائر وأنظمة التسليح والتدريب. أما المخصصات المتعلقة بالدفاع الصاروخي، فتذهب إلى برامج مشتركة تشمل منظومات مثل «القبة الحديدية» و«مقلاع داود» و«حيتس».

وتظهر الأرقام الرسمية أن حجم المساعدات لم يكن ثابتاً في جميع السنوات، إذ شهد عام 2024 قفزة استثنائية نتيجة الحرب والحزمة الطارئة التي أقرها الكونغرس الأميركي.

(الأرقام بمليارات الدولارات، وفق السنوات المالية الأميركية. ويعود الارتفاع الكبير في عام 2024 إلى المساعدات الطارئة الإضافية التي أقرها الكونغرس).

وتكشف هذه الأرقام أن الدعم الأميركي لا يقتصر على المبلغ السنوي المعتاد، بل يمكن أن يرتفع بصورة كبيرة عندما تتعرض “إسرائيل” لحرب واسعة أو تحتاج إلى تمويل استثنائي لتعويض مخزونها العسكري وتعزيز دفاعاتها.

ماذا تخسر “إسرائيل” إذا توقف التمويل؟

من الناحية المالية المباشرة، يعني وقف المساعدات الأساسية حرمان المؤسسة العسكرية الإسرائيلية من نحو 3.8 مليارات دولار سنوياً، وهو مبلغ يصعب اعتباره هامشياً، حتى بالنسبة إلى دولة تخصص حصة كبيرة من موازنتها للإنفاق العسكري.

وستكون وزارة الدفاع الإسرائيلية أمام خيارات صعبة لتعويض هذا النقص. فقد تضطر الحكومة إلى زيادة الإنفاق العسكري من الموازنة المحلية، أو تأجيل بعض الصفقات، أو إعادة ترتيب أولويات شراء الأسلحة والذخائر، وربما اللجوء إلى الاقتراض في وقت تواجه فيه الموازنة أعباء متزايدة بفعل الحروب وتكاليفها الاقتصادية.

لكن التأثير الأهم لا يتعلق بالمال وحده. فالمساعدات الأميركية تتيح للجيش الإسرائيلي الحصول على أسلحة وتقنيات متطورة بشروط تمويلية ميسرة، وتوفر له قدراً من الاستقرار في التخطيط والتسليح على المدى الطويل. ومن دون هذا الدعم، ستصبح المحافظة على المستوى نفسه من الجاهزية العسكرية أكثر كلفة على الخزينة الإسرائيلية.

ويبرز قطاع الطيران العسكري في مقدمة المجالات التي قد تتأثر. فجزء أساسي من خطط سلاح الجو الإسرائيلي يعتمد على الطائرات الأميركية، وفي مقدمتها مقاتلات «إف-35» و«إف-15»، إلى جانب منظومات الصيانة وقطع الغيار والتحديثات الفنية المرتبطة بها. وقد لا يؤدي وقف المساعدات إلى توقف هذه الطائرات عن العمل، لكنه قد يجعل شراء المزيد منها وتمويل تحديثها وصيانتها أكثر تعقيداً وكلفة.

أما في مجال الذخائر، فإن الاعتماد على الولايات المتحدة يظهر بوضوح خلال الحروب الطويلة، عندما ترتفع معدلات الاستهلاك وتحتاج المؤسسة العسكرية إلى تعويض مخزونها بصورة متواصلة. وفي مثل هذه الظروف، لا يكفي امتلاك ترسانة كبيرة؛ بل تصبح القدرة على تجديدها بسرعة عاملاً حاسماً في استمرار العمليات العسكرية.

الدفاع الصاروخي… الجانب الأكثر حساسية

تكتسب المساعدات الأميركية المخصصة للدفاع الصاروخي أهمية خاصة، لأنها ترتبط مباشرة بقدرة “إسرائيل” على مواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة والتهديدات الجوية المتعددة.

فمنظومات مثل «القبة الحديدية» و«مقلاع داود» و«حيتس» لم تتطور بمعزل عن الولايات المتحدة، بل استفادت من التمويل والتعاون التقني والبحثي الأميركي. كما أن استمرار تطويرها وإنتاج الصواريخ الاعتراضية الخاصة بها يحتاج إلى موارد مالية وصناعية كبيرة.

ومن هنا، فإن وقف التمويل المخصص لهذه البرامج قد يضع ضغوطاً على خطط التوسع والتطوير، ويرفع الكلفة التي تتحملها الحكومة الإسرائيلية للحفاظ على مستوى الحماية الحالي. وتزداد أهمية المسألة عندما تكون المواجهة مفتوحة على أكثر من جبهة، وتتعرض منظومات الاعتراض لاختبارات متواصلة بفعل كثافة الهجمات وتعدد مصادرها.

ومع ذلك، لا يعني وقف المساعدات انهيار هذه المنظومات أو توقفها فوراً. فهناك مخزونات قائمة وعقود إنتاج وتوريد، فضلاً عن أن بعض البرامج تقوم على شراكة صناعية وتكنولوجية طويلة الأمد. لكن استمرار هذه القدرات بالمستوى نفسه، ومن دون التمويل الأميركي، سيكون أكثر صعوبة.

ترامب ونتنياهو… تقاطع في الهدف واختلاف في الحسابات

جاء تصريح ترامب في وقت كان نتنياهو يتحدث فيه عن رغبته في تقليص اعتماد “إسرائيل” على المساعدات الأميركية وصولاً إلى الاستغناء عنها خلال السنوات العشر المقبلة.

وفي مقابلات وتصريحات سابقة، قال نتنياهو إنه يريد خفض المساعدات المالية الأميركية تدريجياً، مع الانتقال من علاقة تقوم على تقديم الدعم إلى علاقة شراكة أكثر توازناً، تتحمل فيها “إسرائيل” مسؤولية تمويل احتياجاتها العسكرية بصورة أكبر.

لكن الفارق بين حديث نتنياهو عن تقليص تدريجي يمتد عقداً من الزمن، وإعلان ترامب عن وقف المساعدات في موعد قريب، ليس تفصيلاً بسيطاً. فالأول يحاول تقديم المسألة باعتبارها خياراً استراتيجياً يهدف إلى تعزيز استقلال القرار الإسرائيلي، فيما يطرح الثاني احتمال إنهاء التمويل بوتيرة أسرع، من دون أن تكون تفاصيل التنفيذ قد اتضحت بصورة كاملة.

كما أن تصريحات ترامب لا تعني بالضرورة وقف جميع أشكال التعاون العسكري. فقد أشار إلى استمرار بيع الأسلحة لـ”إسرائيل” إذا احتاجت إليها. وهذا يفتح الباب أمام احتمال الانتقال من نموذج تحصل فيه تل أبيب على تمويل أميركي لشراء الأسلحة، إلى نموذج تشتري فيه ما تحتاج إليه من الولايات المتحدة بأموالها الخاصة.

وهذا فرق جوهري: فوقف المساعدات لا يساوي تلقائياً وقف مبيعات السلاح، كما أنه لا يعني إنهاء التعاون الاستخباراتي أو التقني أو التنسيق العسكري بين البلدين.

هل تستطيع “إسرائيل” تمويل جيشها من دون واشنطن؟

تمتلك “إسرائيل” صناعة عسكرية متقدمة، وشركات قادرة على إنتاج طائرات مسيّرة وصواريخ وأنظمة دفاعية وتقنيات إلكترونية متطورة. كما أن اقتصادها، رغم الأضرار التي لحقت به نتيجة الحروب، يملك قاعدة إنتاجية وتكنولوجية تتيح له تحمل جانب من الأعباء الإضافية.

لكن امتلاك صناعة دفاعية متقدمة لا يعني القدرة على الاستغناء عن الولايات المتحدة. فهناك أسلحة لا تنتجها “إسرائيل” محلياً، وأنظمة تعتمد على التكنولوجيا الأميركية، فضلاً عن قطع الغيار والذخائر والخدمات الفنية التي ترتبط بعقود طويلة الأمد.

كذلك، لا يمكن فصل المساعدات عن البعد السياسي والاستراتيجي للعلاقة. فالدعم الأميركي يمنح “إسرائيل” شعوراً بالاستقرار في تخطيطها العسكري، ويعزز قدرتها على خوض مواجهات طويلة من دون أن تتحمل وحدها كامل كلفة إعادة بناء مخزونها العسكري.

ومن الناحية العملية، قد تستطيع الحكومة الإسرائيلية تعويض جزء من الأموال المفقودة عبر زيادة الموازنة الدفاعية، لكن ذلك سيكون على حساب قطاعات أخرى أو عبر زيادة الدين العام والضرائب. كما أن تحويل التمويل من الخارج إلى الداخل لن يعوض تلقائياً كل المزايا التي يوفرها التعاون الأميركي في مجالات التكنولوجيا والإنتاج والتسليح.

الكونغرس والعقود القائمة… عقبات أمام التنفيذ السريع

ثمة مسألة أخرى لا تقل أهمية، تتعلق بالآلية القانونية والمالية لوقف المساعدات. فمذكرة التفاهم الحالية تمتد حتى عام 2028، وهي تحدد إطاراً للتعاون والتمويل، لكنها ليست معاهدة ملزمة بالمعنى القانوني. وفي المقابل، يملك الكونغرس الأميركي سلطة إقرار الاعتمادات المالية وتعديلها، ما يجعل تنفيذ أي تغيير واسع في المساعدات مرتبطاً أيضاً بموقف المؤسسة التشريعية.

ولا يعني إعلان الرئيس الأميركي، بحد ذاته، أن جميع الأموال والعقود القائمة ستتوقف تلقائياً. فهناك اعتمادات سبق إقرارها، وصفقات دخلت مراحل التنفيذ، وبرامج مشتركة تحتاج إلى ترتيبات خاصة. ولذلك، فإن تحديد موعد نهائي لوقف المساعدات لا يكفي وحده لمعرفة حجم التغيير الفعلي؛ إذ يتوقف الأمر على القرارات التنفيذية والتشريعية والتفاهمات التي سترافقه.

وقد كشفت ردود الفعل داخل “إسرائيل” عن حساسية الملف. فقد انتقد مسؤولون وشخصيات معارضة طريقة تعامل نتنياهو مع مستقبل المساعدات، محذرين من أن تحويل مسألة بهذا الحجم إلى إعلان سياسي أو تفاوضي من دون نقاش مؤسسي يضع الأمن القومي أمام مخاطر غير محسوبة.

ما وراء المال: اختبار للعلاقة الاستراتيجية

لا تكمن أهمية المساعدات الأميركية في قيمتها السنوية فحسب، بل في كونها جزءاً من منظومة أوسع تربط الجيش الإسرائيلي بالمؤسسة العسكرية الأميركية. وهذه المنظومة تشمل التسليح والتدريب والتطوير التكنولوجي والتنسيق الأمني، إلى جانب التعاون في مواجهة التهديدات الإقليمية.

ولهذا، فإن وقف التمويل، إذا حصل، سيكون اختباراً لطبيعة العلاقة بين الطرفين، وليس مجرد إجراء محاسبي في الموازنة الأميركية. وقد تنجح واشنطن وتل أبيب في التوصل إلى صيغة جديدة تقوم على استمرار التعاون وبيع الأسلحة، مع تقليص التمويل المباشر. لكن هذا التحول سيضع على عاتق الحكومة الإسرائيلية كلفة أكبر، ويجبرها على إعادة النظر في طريقة تمويل جيشها وخططه التسليحية.

في المحصلة، لا يبدو أن وقف المساعدات سيؤدي وحده إلى إضعاف الجيش الإسرائيلي بصورة فورية أو إلى انهيار قدراته العسكرية. فالدولة تمتلك موارد وصناعة دفاعية ومخزونات عسكرية، كما أن استمرار مبيعات السلاح والتعاون التقني قد يخففان من وقع القرار. لكن خسارة تمويل سنوي بمليارات الدولارات ستترك أثراً ملموساً على الموازنة الدفاعية، وعلى القدرة على تجديد الترسانة وتطوير منظومات الدفاع، خصوصاً في ظل تعدد الجبهات وارتفاع كلفة الحروب.

والسؤال الأهم ليس ما إذا كانت “إسرائيل” قادرة على البقاء من دون المساعدات الأميركية، بل ما الثمن الذي ستدفعه مقابل ذلك، وما إذا كانت واشنطن مستعدة فعلاً للانتقال من تمويل جزء أساسي من القوة العسكرية الإسرائيلية إلى الاكتفاء ببيعها السلاح والتعاون معها وفق شروط مختلفة.

فبين إعلان ترامب ورغبة نتنياهو في الاستقلال المالي، تبقى المسألة مفتوحة على تحول قد يعيد رسم جانب مهم من العلاقة العسكرية بين البلدين، من دون أن يعني بالضرورة نهاية التحالف بينهما.