علوم وتكنولوجيا

حروب الانتباه في العصر الرقمي: الخوارزميات كأدوات لإعادة تشكيل الوعي الجيوسياسي

يمثل العصر الرقمي مرحلة انتقالية عميقة في طبيعة الصراع الدولي، حيث لم تعد الحروب تُخاض فقط عبر الجيوش أو أدوات القوة الصلبة التقليدية، بل عبر السيطرة على الانتباه الإنساني وإعادة تشكيل الإدراك الجمعي. ففي هذا السياق، تتحول الخوارزميات إلى أدوات مركزية في إدارة تدفق المعلومات وتوجيه الاهتمامات العامة، بما يجعلها فاعلاً جيوسياسياً غير مرئي لكنه شديد التأثير في تشكيل الوعي السياسي والاجتماعي.

في لحظات الأزمات الإقليمية والتوترات العسكرية، تتجلى ما يمكن تسميته بـ«هندسة الانتباه الرقمي»، حيث لا تُترك الجماهير لتتفاعل مع الحدث الاستراتيجي مباشرة، بل يتم توجيهها عبر أنظمة التوصية الخوارزمية نحو محتوى بديل يرتبط بنمط الحياة، والصحة، والترفيه، والاستهلاك. هذا التحول لا يحدث بصورة صريحة أو قسرية، بل عبر آليات ناعمة تعتمد على الإغراق المعلوماتي وإعادة ترتيب الأولويات الإدراكية، بحيث تتراجع القضايا الكبرى مثل الأمن القومي، وسلاسل الإمداد، والطاقة، لصالح موضوعات فردية تبدو أكثر قرباً وراحة نفسية، لكنها تُسهم في إضعاف الوعي البنيوي بالمخاطر الاستراتيجية.

ومن هنا، يمكن فهم الخوارزميات بوصفها أداة لإعادة توزيع الانتباه العالمي وفق منطق غير متكافئ، حيث يتم رفع بعض القضايا إلى واجهة الإدراك العام وتهميش قضايا أخرى وفق اعتبارات لا تخضع بالضرورة للمصلحة العامة أو للسياقات الوطنية. وبهذا المعنى، لم تعد السيطرة على المعلومات هي الهدف الوحيد، بل أصبحت السيطرة على “ما يُنتبه إليه” هو جوهر الصراع الجديد. فالمعركة لم تعد حول الحقيقة فقط، بل حول ترتيب أولوياتها داخل الوعي الجمعي.

بُعد “الاستعمار الإدراكي الاحتكاري الحديث” Modern monopolistic cognitive colonialism
يتدفق هذا التفاوت في توزيع الانتباه ليعيد إنتاج شكل جديد من أشكال الهيمنة، يمكن تسميته بـ “الاستعمار الإدراكي والسيادة المعرفية الاحتكارية”. في هذا النمط الاستعماري الحديث، لا تحتاج القوى التكنولوجية العظمى لاحتلال الأرض، بل تكتفي باحتلال “البنية التحتية للوعي” لدى المجتمعات المستهدفة. من خلال احتكار حفنة من الشركات العابرة للقارات (المتواجدة في مراكز الثقل الجيوسياسي الغربي أو الآسيوي) للبيانات الكبرى والشبكات العصبية الاصطناعية، يتم فرض “معايير قيمية وأخلاقية ومفاهيمية” موحدة ومستوردة، تُعطل الحصانة الثقافية المحلية، وتجعل المجتمعات المستهلكة تدور في فلك الرواية الجيوسياسية للمركز الاحتكاري، مما ينتج تبعية فكرية مطلقة تُدار بالتحكم عن بُعد.

إن هذا التحول يعكس انتقالاً استراتيجياً من الحروب التقليدية إلى ما يمكن وصفه بـ«حروب الوعي»، حيث تُستخدم البنى الرقمية لتفكيك الإدراك الجمعي وإعادة تشكيله تدريجياً. فبدلاً من الإكراه المباشر، يتم اعتماد أساليب الإلهاء المستمر، وإعادة تعريف القضايا الكبرى في صورة مشتتة، مما يؤدي إلى تآكل القدرة على الربط بين الأحداث الجزئية والبنية الجيوسياسية الكلية. وهكذا، يصبح الفرد أكثر انشغالاً بالاستجابات اللحظية وأقل قدرة على إدراك السياقات الطويلة المدى التي تحدد مستقبل دوله ومجتمعه.

سلاح “الاستقطاب الخوارزمي العمودي” وتفتيت النسيج الاجتماعي
وبالتوازي مع الإلهاء، تعتمد هذه الحروب على “الاستقطاب الخوارزمي الحاد” (Algorithmic Polarization) كآلية لتفتيت الجبهات الداخلية للدول. فالخوارزميات المصممة لتعظيم الأرباح تدرك أن المحتوى الذي يثير الغضب والكراهية والانقسام هو الأكثر حشداً للانتباه والمكوث على المنصات. جيوسياسياً، يتم استغلال هذه الهندسة الخوارزمية من قِبل الفاعلين الدوليين لتعميق الصدوع المجتمعية (العرقية، الطائفية، الطبقية، والسياسية) داخل الدول المنافسة، وتحويل الفضاء الرقمي من ساحة للنقاش العام إلى “غرف صدى” (Echo Chambers) مغلقة تتصارع فيها المكونات المحلية، مما يؤدي إلى شلل الإرادة السياسية الوطنية وإنتاج أزمات شرعية حادة دون إطلاق رصاصة واحدة.

في هذا الإطار، تبرز الحاجة إلى مقاربات تفسيرية جديدة، من بينها نموذج «التحصين والمرونة الرقمية»، الذي يسعى إلى فهم آليات الهيمنة الخوارزمية وتقديم أدوات معرفية واستراتيجية لمواجهتها. يقوم هذا النموذج على التمييز بين مستويات متعددة من الاستجابة: تبدأ بالتحصين الرقمي الذي يعزز قدرة الأفراد والمؤسسات على كشف التلاعب المعلوماتي وفهم آليات التوجيه الخوارزمي، مروراً بالمرونة الرقمية التي تهدف إلى حماية الهوية الثقافية والقيمية من الاختراق الرمزي، وصولاً إلى المقاومة الرقمية التي تمثل مستوى أكثر تقدماً من الفعل الواعي، يقوم على إنتاج سرديات بديلة وبناء فضاءات رقمية مستقلة.

وعلى المستوى الجيوسياسي، تعني هذه التحولات أن السيادة لم تعد مفهوماً يرتبط فقط بالحدود الجغرافية أو القوة العسكرية، بل أصبحت مرتبطة بشكل مباشر بالسيادة على البيانات والأنظمة الخوارزمية التي تتحكم في تدفق المعرفة. فالدول التي تفقد قدرتها على التأثير في فضائها المعلوماتي، تجد نفسها في موقع تبعية إدراكية، حتى وإن احتفظت بمظاهر الاستقلال السياسي. لذلك، فإن معركة المستقبل تتمحور حول القدرة على امتلاك أدوات إنتاج المعرفة، وبناء خوارزميات تعكس الخصوصية الثقافية والاستراتيجية للمجتمعات، بدلاً من الخضوع لمنطق الأنظمة الرقمية العالمية المهيمنة.

صعود “دبلوماسية التكنولوجيا” وسلطة ملوك السيليكون
وهنا يظهر تحول هيكلي في موازين القوى العالمية يتجاوز مفهوم الدولة الوطنية؛ وهو صعود “الدبلوماسية التكنولوجية” (Techplomacy) وبروز الشركات التكنولوجية العملاقة كجهات فاعلة جيوسياسية ذات سيادة فعلية تتحدى سيادة الدول. إن المدراء التنفيذيين لشركات الذكاء الاصطناعي ومنصات التواصل باتوا يمتلكون سلطة “صناعة القرار الاستراتيجي الدولي” عبر قدرتهم على قطع الخدمة، أو تعديل خوارزميات البحث أثناء الحروب لترجيح كفة طرف على آخر، أو حظر رؤساء دول وقادة سياسيين. هذا الواقع يفرض على الدول إعادة صياغة علاقاتها الدولية لا مع حكومات أخرى فحسب، بل مع “ملوك السيليكون” ومطوري الخوارزميات العابرة للحدود.

وفي ضوء ذلك، يصبح بناء وعي نقدي جماعي، وتطوير بنى إعلامية مستقلة، وتأسيس سياسات رقمية سيادية، عناصر أساسية في أي مشروع يهدف إلى مواجهة حروب الانتباه. فالمسألة لم تعد تقنية بحتة، بل تحولت إلى قضية أمن قومي ومعرفي في آن واحد، حيث يتداخل فيها السياسي بالثقافي، والاستراتيجي بالإدراكي. ومن هنا، فإن فهم الخوارزميات لا بوصفها أدوات محايدة، بل بوصفها بنى فاعلة في تشكيل الواقع الجيوسياسي، يمثل خطوة أساسية نحو استعادة التوازن في عصر تتحدد فيه القوة بمدى القدرة على السيطرة على الانتباه الإنساني وإدارته.

وبالتوازي مع ذلك، تكشف التحولات الحديثة في الذكاء الاصطناعي التوليدي ونماذج اللغة الضخمة عن مرحلة أكثر تعقيداً في حروب الانتباه، حيث لم تعد التوجيه مقتصراً على ترتيب المحتوى، بل امتد إلى إنتاج المحتوى ذاته. فأنظمة الذكاء الاصطناعي باتت قادرة على توليد روايات كاملة، وصياغة سياقات معرفية بديلة، وإعادة تشكيل “الواقع السردي” الذي تتفاعل معه الجماهير. وهذا ما يعمّق من ظاهرة “الواقع المُصنع رقمياً” الذي تختلط فيه الحقيقة بالمحاكاة، ويصعب فيه التمييز بين المعرفة الأصيلة والمُنتجة خوارزمياً.

التزييف العميق والتزييف المعرفي الشامل (Deepfakes to Cognitive Fakes)
ولم يعد التزييف مقتصرًا على تعديل صورة أو مقطع فيديو، بل وصلنا إلى مرحلة “التزييف الإدراكي الشامل” (Cognitive Fakes). من خلال هندسة مخصصة وشديدة الدقة (Hyper-personalized Micro-targeting)، تستطيع الخوارزميات المدعومة بالذكاء الاصطناعي توليد محتوى تضليلي فريد لكل فرد بناءً على حالته النفسية، وميوله السياسية، ونقاط ضعفه الإدراكية المستخلصة من بياناته السلوكية. هذا التزييف الممنهج لا يستهدف إقناع الفرد برواية كاذبة، بل يهدف إلى تدمير مفهوم “الحقيقة المشتركة” ذاته (Post-Truth Era)، بحيث يصبح الرأي العام عاجزاً عن التوافق على أي حقيقة موضوعية، مما يشل القدرة على اتخاذ قرارات مصيرية متصلة بالأمن القومي.

كما أن صعود اقتصاد الانتباه بوصفه بنية رأسمالية عالمية يعزز منطق الاستغلال الإدراكي، حيث تصبح البيانات السلوكية والانفعالية مادة خاماً تُستثمر في توجيه السلوك الجمعي. وفي هذا السياق، تتحول المنصات الرقمية إلى أنظمة مراقبة ناعمة (Soft Surveillance) تجمع بين الإغراء والاستخلاص المستمر للبيانات، بما يعيد تشكيل مفهوم السلطة ذاته من سلطة قسرية إلى سلطة تنبؤية قائمة على تحليل السلوك المستقبلي وتوجيهه قبل وقوعه.

“الحرب السيبرانية المعرفية” (Cognitive Cyber Warfare) كعقيدة عسكرية
إن تداخل الرأسمالية التنبؤية مع الطموحات الجيوسياسية أنتج ما يُعرف اليوم في العقائد العسكرية الحديثة بـ “الحرب المعرفية” (Cognitive Warfare)، والتي تم تصنيفها كـ “المجال السادس للحروب” بعد (البر، البحر، الجو، الفضاء، والسيبراني). في هذه العقيدة، لا يتم اختراق الحواسيب أو البنى التحتية المادية للدول فحسب، بل يتم “اختراق العقل البشري” (Human Hacking). تصبح عقول المواطنين وصنّاع القرار هي ساحة المعركة الأساسية، وحيث تُستخدم الخوارزميات لتعديل المرجعية المعرفية للمستهدفين، واختطاف عمليات التفكير العقلاني، وزرع الشكوك الممنهجة في الثوابت الوطنية، لتدمير معنويات العدو وإجباره على الاستسلام الإدراكي الذاتي دون الحاجة لتحريك الجيوش.

ويزداد هذا التعقيد مع تطور أدوات الحرب المعلوماتية الهجينة، التي تمزج بين التضليل، والتلاعب الإدراكي، والهجمات السيبرانية، وإنتاج المحتوى المزيف العميق (Deepfakes)، بما يخلق بيئة معرفية مضطربة تُضعف الثقة في المؤسسات الإعلامية والسياسية على حد سواء. وفي ظل هذا الاضطراب، يصبح الانتباه نفسه مورداً استراتيجياً نادراً يتم التنافس عليه بين الدول والشركات والمنصات.

معضلة “التحيز الخوارزمي الجيوسياسي” (Algorithmic Geopolitical Bias)
ويتجذر هذا التنافس في “التحيز الخوارزمي الجيوسياسي القسري”. إن نماذج اللغة الضخمة ومحركات التوصية العالمية ليست كيانات محايدة تكنولوجياً، بل هي مرآة للقيم الأيديولوجية والسياسية للدول والمجتمعات التي برمجتها وصممت بيانات تدريبها. ونتيجة لذلك، يتم ترويج سرديات سياسية معينة بذكاء غير محسوس، وتمرير صور نمطية تخدم مصالح دول بعينها، بينما يتم حجب وتهميش وجهات النظر الاستراتيجية للدول النامية أو المنافسة. هذا الانحياز الخفي يمارس عملية “رقابة ناعمة مقننة” تغسل أدمغة الجماهير عبر تقديم إجابات أحادية وموجهة للمستخدمين على أنها حقائق مطلقة ومحايدة.

من هنا، يتعزز البعد الجيوسياسي لحروب الانتباه بوصفه امتداداً لحروب النفوذ التقليدية، ولكن بأدوات غير مادية. فالالقوة لم تعد تقاس فقط بعدد الجيوش أو حجم الاقتصاد، بل بمدى القدرة على التحكم في تدفقات المعلومات، وتوجيه الخوارزميات، والتأثير في البنى الإدراكية للمجتمعات الأخرى. وهذا ما يجعل من السيادة الرقمية اليوم أحد أهم أشكال السيادة في النظام الدولي المعاصر.

حتمية “تأميم البيانات” وإنشاء نماذج الذكاء الاصطناعي السيادية
بناءً على هذا الواقع، لم يعد الدفاع التقليدي كافياً، وتبرز حتمية استراتيجية تتجاوز التشريعات والقوانين، وهي الانتقال نحو “تأميم البيانات الاستراتيجية” وتطوير “نماذج ذكاء اصطناعي سيادية ولغوية مستقلة” (Sovereign AI). إن الأمن القومي المعاصر بات يفرض على الدول حماية بيانات مواطنيها السلوكية من التسرب للخارج باعتبارها “النفط الجديد” الذي يُستخدم لصناعة أسلحة الإدراك ضدها. كما يفرض عليها بناء شبكاتها وخوارزمياتها المحلية الخاصة التي تمتلك القدرة على فهم سياقها التاريخي، الديني، والثقافي، وصياغة سرديتها الجيوسياسية الخاصة، لحماية مواطنيها من الاختطاف الذهني العالمي.

إننا أمام تحول تاريخي يعيد تعريف مفهوم الحرب ذاته، من صراع على الأرض إلى صراع على الوعي، ومن السيطرة على الحدود إلى السيطرة على الانتباه، ومن القوة المادية إلى القوة الإدراكية. وفي هذا السياق، يصبح بناء منظومات فكرية ومؤسساتية قادرة على فهم هذا التحول والتعامل معه ضرورة استراتيجية لا خياراً فكرياً، لأن من لا يمتلك أدوات قراءة الخوارزمية، يصبح موضوعاً داخلها لا فاعلاً في تشكيلها.

د. حمدي محمود – المركز الديمقراطي العربي